يواصل المغرب تعزيز موقعه كقوة صناعية صاعدة في قطاع السيارات الكهربائية والبطاريات، في ظل احتدام المنافسة العالمية بين الاتحاد الأوروبي والصين على السيطرة على سلاسل القيمة المرتبطة بالتحول نحو الاقتصاد الأخضر.
وخلال السنوات الأخيرة، نجحت المملكة في استقطاب استثمارات صينية مهمة في مجالات تصنيع السيارات الكهربائية ومكونات البطاريات والمواد الأولية المرتبطة بها، مستفيدة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي وقربها من الأسواق الأوروبية، فضلاً عن شبكة اتفاقيات التبادل الحر التي تربطها بعدد من الشركاء الدوليين، وفي مقدمتهم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
كما عزز توفر المغرب على احتياطات مهمة من الفوسفاط، الذي يدخل في تصنيع بعض أنواع البطاريات الحديثة، من جاذبيته لدى المستثمرين الدوليين، خاصة الشركات الصينية الساعية إلى توسيع حضورها في الأسواق العالمية.
هذا التحول الصناعي المتسارع جعل المملكة تتبوأ موقعاً متقدماً ضمن سلاسل الإنتاج العالمية الخاصة بالسيارات الكهربائية، حيث تشهد مشاريع إنتاج مواد الأنود والكاثود ومكونات البطاريات توسعاً ملحوظاً، في إطار استراتيجية وطنية تهدف إلى بناء منظومة صناعية متكاملة والانتقال من تصنيع السيارات التقليدية إلى إنتاج تكنولوجيات التنقل الكهربائي.
في المقابل، يثير هذا التموقع الجديد للمغرب اهتماماً متزايداً داخل الاتحاد الأوروبي، الذي يراقب عن كثب تنامي الاستثمارات الصينية في المملكة. وتعتبر بعض الأوساط الأوروبية أن جزءاً من هذه الاستثمارات قد يشكل وسيلة للشركات الصينية للوصول إلى السوق الأوروبية والاستفادة من اتفاقيات الشراكة التجارية التي تجمع المغرب ببروكسيل، خاصة بعد تشديد الإجراءات الأوروبية على واردات السيارات الكهربائية القادمة مباشرة من الصين.
وقد انتقلت هذه المخاوف من دائرة النقاش إلى مستوى الإجراءات العملية، بعدما اتخذت المفوضية الأوروبية في مناسبات سابقة تدابير تجارية تجاه بعض المنتجات المصنعة في المغرب، بدعوى استفادتها من دعم أو تمويلات مرتبطة بمستثمرين صينيين، ما يعكس استعداد الاتحاد الأوروبي لتفعيل آليات الحماية التجارية كلما اعتبر أن المنافسة داخل سوقه مهددة.
ومن جانبه، يؤكد المغرب أن الاستثمارات الأجنبية التي يستقطبها تندرج ضمن رؤية تنموية واضحة تروم تطوير الصناعة الوطنية، وخلق فرص الشغل، وتعزيز القيمة المضافة للاقتصاد المغربي، مع احترام قواعد المنشأ والمعايير الدولية المنظمة للمبادلات التجارية.
كما تشير المعطيات إلى وجود حوار مستمر بين الرباط وبروكسيل لمعالجة مختلف القضايا المرتبطة بالاستثمارات الصناعية الجديدة، وضمان استمرارية الشراكة الاقتصادية بين الجانبين. وتسعى المملكة إلى تعزيز اندماجها في سلاسل الإنتاج الأوروبية، بما يسمح بالاعتراف ببعض المكونات المصنعة محلياً باعتبارها جزءاً من المحتوى الصناعي المرتبط بالصناعة الأوروبية.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع التنقل الكهربائي عالمياً، يبدو المغرب في موقع استراتيجي يجمع بين مصالح القوى الاقتصادية الكبرى. فبينما ترى الصين في المملكة منصة واعدة للتوسع نحو الأسواق الغربية، تعتبرها أوروبا شريكاً صناعياً أساسياً في إنجاح انتقالها الطاقي، رغم استمرارها في مراقبة تنامي الحضور الصيني داخل القطاعات الصناعية الحساسة.
وبفضل هذا التوازن بين جذب الاستثمارات الأجنبية وتطوير القدرات الصناعية المحلية، يرسخ المغرب مكانته كأحد أبرز الفاعلين الصاعدين في صناعة البطاريات والسيارات الكهربائية بمنطقة البحر الأبيض المتوسط، معززاً حضوره في الاقتصاد الأخضر العالمي ومستقبله الصناعي الواعد.
