الدار البيضاء – يشهد سوق السيارات المغربي خلال سنة 2026 تحولا لافتا في موازين المنافسة، مع الصعود المتسارع للعلامات الصينية التي لم تعد تكتفي بدور المنافس الجديد، بل بدأت تفرض نفسها كقوة وازنة داخل سوق ظل لسنوات طويلة محكوما بتفوق العلامات الأوروبية، إلى جانب حضور قوي للسيارات اليابانية والكورية.
وتكشف معطيات جمعية مستوردي السيارات بالمغرب (AIVAM) عن حجم هذا التحول، إذ تجاوزت حصة العلامات الصينية 12 في المائة من مبيعات السيارات الخاصة خلال الأشهر الخمسة الأولى من السنة الجارية، مقابل نحو 5 في المائة خلال الفترة نفسها من سنة 2025. وبلغ حضورها ذروته خلال شهر ماي، عندما قاربت حصتها 15 في المائة من إجمالي مبيعات السيارات الخاصة، في مؤشر على تسارع وتيرة الإقبال على هذه العلامات.
ويواكب هذا النمو توسع لافت في عدد الشركات الصينية الموجودة في السوق الوطنية، بعدما وصل عددها إلى نحو 20 علامة، من بينها BYD وGeely وJetour وXpeng وLeapmotor وSoueast، وهو ما أدى إلى توسيع نطاق الاختيارات المتاحة أمام المستهلك المغربي، سواء في السيارات التقليدية أو الهجينة والكهربائية.
ويفسر المهنيون هذا التقدم بمجموعة من العوامل، في مقدمتها القدرة على الجمع بين الأسعار التنافسية ومستويات مرتفعة من التجهيز والتكنولوجيا. فقد أصبحت العلامات الصينية تعرض سيارات مزودة بأنظمة ومواصفات كانت حكرا، في السابق، على فئات أكثر كلفة، مع الحفاظ على أسعار تستهدف شريحة واسعة من المستهلكين الباحثين عن قيمة أكبر مقابل السعر.
ويأتي الرهان على السيارات الكهربائية والهجينة ليمنح الشركات الصينية أفضلية إضافية. فبدلا من انتظار تطور السوق تدريجيا، اختارت العديد من هذه العلامات دخول المغرب منذ البداية بعروض متنوعة تشمل السيارات الكهربائية بالكامل، والهجينة، والهجينة الخفيفة، فضلا عن سيارات المدى الموسع، وهي فئة بدأت تجد طريقها إلى السوق المغربية حديثا.
كما ساهم تطور الجودة وخدمات ما بعد البيع في تغيير صورة السيارة الصينية لدى جزء متزايد من المستهلكين. فاعتماد ضمانات تمتد في بعض الحالات إلى خمس سنوات، وتوسيع شبكات التوزيع والصيانة، إلى جانب الحضور في التظاهرات المتخصصة، عوامل ساعدت على تعزيز الثقة في هذه المنتجات وتحويلها من خيار ثانوي إلى منافس مباشر للعلامات التقليدية.
وتظهر الأسعار بدورها حجم الضغط التنافسي الذي تفرضه السيارات الصينية. فأسعار بعض سيارات الدفع الرباعي المدمجة، مثل Geely Coolray وMG ZS، تتراوح، بحسب الإصدار والوكيل، بين 185 ألف و229 ألف درهم، بينما تعرض سيارات عائلية من سبعة مقاعد، مثل Jetour X70 Plus، في نطاق يتراوح بين 259 ألف و289 ألف درهم. أما سيارة BYD Dolphin الكهربائية فتبدأ أسعارها، وفق المعطيات المتداولة، من حوالي 229 ألف درهم، في حين تتراوح أسعار بعض السيارات الهجينة الأكثر تجهيزا، مثل Chery Tiggo 8 Pro، بين 329 ألف و359 ألف درهم.
ولا تعني هذه الأسعار بالضرورة سعرا موحدا في السوق، إذ تختلف بحسب التجهيزات والإصدارات والعروض التجارية وسياسة كل وكيل، لكنها تعكس في المقابل استراتيجية واضحة تقوم على تقديم التكنولوجيا والتجهيز بسعر قادر على منافسة المنتجات الموجودة منذ سنوات في السوق المغربية.
هذا التحول بدأ يفرض نفسه أيضا على بقية الفاعلين. فالمنافسة لم تعد مرتبطة فقط بعدد السيارات المباعة، وإنما أصبحت تشمل الأسعار، ومستوى التجهيز، والتكنولوجيا، والكفاءة الطاقية، وشبكات الصيانة وخدمات ما بعد البيع. وهو ما يدفع العلامات التقليدية إلى تسريع إطلاق سيارات هجينة وكهربائية ومراجعة عروضها التجارية لمواكبة التغيرات الجديدة في سلوك المستهلك.
وبالنسبة للمستهلك المغربي، فإن اتساع حضور العلامات الصينية يفتح أمامه خيارات أكبر، خصوصا في فئات السيارات الكهربائية والهجينة وسيارات الدفع الرباعي والسيارات العائلية. غير أن استمرار هذا النجاح سيظل مرتبطا بقدرة هذه الشركات على كسب رهانين أساسيين: ضمان توفر قطع الغيار وخدمات الصيانة على المدى الطويل، والحفاظ على قيمة السيارات عند إعادة بيعها، وهي عوامل تكتسي أهمية كبيرة في قرارات اقتناء السيارات بالمغرب.
وتشير المؤشرات المسجلة خلال 2026 إلى أن صعود السيارات الصينية لا يبدو مجرد موجة ظرفية مرتبطة بالأسعار، بل يعكس تحولا أعمق في بنية السوق المغربية. فارتفاع الحصة السوقية، وتعدد العلامات، وتسارع الانتقال نحو السيارات المكهربة، كلها عوامل تدفع نحو مرحلة جديدة من المنافسة.
وبذلك، تبدو سوق السيارات المغربية أمام معادلة جديدة قوامها تنوع أكبر في العرض، وتسارع في التحول التكنولوجي، وضغط متزايد على الأسعار. وإذا حافظت العلامات الصينية على وتيرة انتشارها الحالية، فإنها مرشحة لتتحول خلال السنوات المقبلة إلى أحد أبرز محددات المنافسة في سوق السيارات الوطنية، وليس مجرد وافد جديد عليها.
