قبل أن يعرف المغرب إشارات المرور، ولا علامات التشوير، وقبل أن تُعبد الطرقات للسيارات، وقبل أن يصبح صوت المحرك مألوفاً في شوارعه… كانت سيارة تسير في مكان ما من المغرب، قادمة من مستقبل لم يكن قد وصل بعد.
تخيلوا المغرب في نهاية القرن التاسع عشر؛ مدناً لم يكن هدير المحركات جزءاً من أصواتها، وطرقات بلا إشارات ولا علامات تشوير، كان إيقاعها يُقاس بحوافر الخيل، وخطى القوافل، وصرير العجلات الخشبية وهي تشق طريقها ببطء بين المدن والقرى.
لم يكن للسيارة موقف، ولا مرآب، ولا محطة وقود، وكانت المسافات تُحسب بما تحتاجه الدواب من وقت لقطعها. كانت الرحلة مغامرة، وكان الوصول انتصاراً صغيراً على الطريق.
وفي الوقت الذي كان فيه العالم لا يزال يتساءل إن كان بإمكان الإنسان أن يتحرك من دون حصان، كان شيء جديد يولد في ألمانيا؛ محرك صغير يعمل بالاحتراق الداخلي، حمل اسم غوتليب دايملر وفيلهلم مايباخ، وفتح الباب أمام ثورة ستغيّر معنى المسافة والسرعة، وتحول السيارة من فكرة تجريبية إلى وسيلة ستعيد رسم خريطة العالم.
وفي سنة 1892، كانت الحكاية تقترب من المغرب. بين الوثائق المرتبطة بتاريخ دايملر، يظهر اسم المغرب إلى جانب واحدة من البدايات المبكرة جداً لعصر السيارة، ويحمل أحد السجلات عبارة «Sultan, Morocco»، في إشارة ارتبطت بالسلطان مولاي الحسن الأول، الذي يُنسب إليه اقتناء سيارة من دايملر في وقت كانت فيه السيارة نفسها لا تزال اختراعاً جديداً وغريباً على العالم.
وهنا تكمن المفارقة: بينما كانت السيارة لا تزال تبحث عن مكان لها في شوارع أوروبا، كانت إحدى عجلاتها قد وجدت طريقها إلى المغرب.
لم تكن تلك السيارة تشبه سيارات اليوم إلا في جوهر واحد: أنها تتحرك بقوة محرك، لا بقوة حصان. كان لها محرك ذو أسطوانتين، وسرعة تناهز 22 كيلومتراً في الساعة، وهي سرعة تبدو متواضعة اليوم، لكنها كانت آنذاك أشبه بسرعة المستقبل.
وكانت السيارة، بحكم حداثتها ومكانة صاحبها، مجهزة بعناية خاصة، من بينها مظلة للحماية من الشمس، وتشطيبات فاخرة تتضمن الخشب والحرير ولمسات من الذهب.
تخيلوا المشهد: طريق مغربي في نهاية القرن التاسع عشر، هدوء تقطعه لأول مرة تقريباً نبرة محرك غريب، وعيون تتابع آلة تتحرك من دون حصان. ما هذه؟ كيف تتحرك؟ ومن أين جاءت؟ وهل يمكن لمثل هذه الآلة أن تواجه طرقاً لم تعرف بعد مفهوم السيارة؟
في تلك اللحظة، لم يكن المغرب يستقبل مجرد سيارة، بل كان يستقبل فكرة جديدة عن الزمن والمسافة والحركة. فالسيارة لا تختصر الطريق فقط، بل تغيّر علاقتنا به؛ تجعل البعيد أقرب، والوقت أثمن، والرحلة أكثر ارتباطاً بقدرة الآلة.
ومن هنا بدأ فصل طويل من تاريخ الطريق المغربي، ستتوالى خلاله السيارات، وتظهر سيارات الأجرة والحافلات والشاحنات، ويتحول صوت المحرك من مصدر للدهشة إلى جزء من الحياة اليومية.



لكن الأجمل أن الحكاية لم تتوقف عند الاستيراد. فالمغرب الذي استقبل واحدة من السيارات المبكرة في تاريخ دايملر، سيصل بعد أكثر من قرن إلى مرحلة يصنع فيها السيارات داخل ترابه ويصدرها إلى أسواق مختلفة حول العالم. من محرك صغير كان يثير الفضول على طريق مغربي، إلى مصانع حديثة تخرج منها آلاف السيارات؛ ومن آلة بدت غريبة عن الطريق، إلى صناعة أصبحت جزءاً من الاقتصاد الوطني.
يا لها من مسافة قطعتها الحكاية! لكن «حكاية سيارة» لا تريد أن تروي الأسطورة فقط، ولا أن تكتفي بعبارة «كانت أول سيارة». نحن نبحث في والصورة والأرشيف: متى وصلت؟ من اقتناها؟ كيف وصلت؟ أين سارت؟ ومن قادها؟ وماذا بقي من قصتها؟ لأن السيارة ليست مجرد معدن ومحرك وعجلات؛ إنها ذاكرة مدينة وشارع وأجيال عاشت تحولات المغرب خطوة خطوة.
وربما لهذا تبدو عجلة السيارة أكثر من مجرد دائرة تدور. إنها دائرة الزمن نفسه. وأحياناً، تكفي عجلة واحدة لفتح طريق يمتد لأكثر من قرن.
لكن تلك لم تكن سوى البداية. فبعد سنوات قليلة، ستخرج السيارة من حدود التجربة الأولى لتواجه امتحاناً أكثر صعوبة: الطريق المغربي نفسه، بمسافاته الطويلة وطرقه التي لم تُهيأ بعد لهذه الآلة الجديدة.
هذه المرة لن يكون السؤال: هل تستطيع السيارة أن تتحرك؟ بل: هل تستطيع أن تصل؟
وهل تستطيع أن تقطع المسافة، وتواجه الطريق، وتثبت أن العجلة الجديدة قادرة على أن تصبح جزءاً من الحياة المغربية؟
انتظروا الحلقة القادمة من «حكاية سيارة»… فالحكاية هذه المرة ستبدأ من الطريق.
