كان يمكن للسيارة أن تأتي إلى المغرب بهدوء، أن تثير فضول الناس لبعض الوقت، ثم تصبح مجرد آلة أخرى على الطريق. لكن بانهارد اختارت طريقاً مختلفاً، لم تنتظر حتى يعتاد المغاربة وجود السيارات.
دخلت الحكاية من باب آخر…باب السباق، كان ذلك سنة 1912، المسافة بين الرباط والدار البيضاء تقارب تسعين كيلومتراً، والطريق لم يكن يشبه الطريق الذي نعرفه اليوم. لا إسفلت حديثاً، ولا سيارات تتدافع في الاتجاهين، ولا أجهزة ملاحة تخبر السائق أين ينعطف.
ومع ذلك، قررت سيارة أن تفعل شيئاً يبدو اليوم عادياً، لكنه كان يومها مغامرة حقيقية: أن تقطع الطريق بأسرع ما تستطيع، وكان اسمهاPanhard et Levassor.
وفق مصادر تاريخ رياضة السيارات في المغرب، شهد الطريق بين الرباط والدار البيضاء سنة 1912 أول سباق سيارات في المملكة، على مسافة تقارب 90 كيلومتراً، وانتهى بفوز بانهارد وليفاسور بعد قطع المسافة في نحو خمس ساعات، خمس ساعات! اليوم، قد تبدو المدة طويلة جداً،
لكن ضعوا أنفسكم مكان السائق في ذلك الزمن…سيارة بمقاييس ذلك العصر، طريق لا يضمن لك شيئاً، محرك يجب أن تثق به، وكل كيلومتر أمامك يحمل سؤالاً جديداً: هل ستصل السيارة إلى النهاية؟ هنا لم تعد السيارة مجرد وسيلة نقل، أصبحت منافساً، وأصبح الطريق نفسه مسرحاً.
لكن من هي “بانهارد ” التي دخلت التاريخ المغربي بهذه الطريقة؟ ولدت قصة Panhard & Levassor في باريس، في السنوات الأولى التي كانت فيها صناعة السيارات نفسها تبحث عن شكلها. وبحلول سنة 1891 بدأت الشركة تصنيع وبيع سياراتها بصورة منتظمة، مستفيدة من تقنيات ومحركات دايملر، قبل أن تصبح واحدة من الأسماء التي ساهمت في وضع أسس السيارة الحديثة.
كانت أفكارها الهندسية تبدو بسيطة اليوم، لكنها كانت ثورية في ذلك الزمن: محرك في المقدمة، نقل القوة إلى العجلات الخلفية، وعلبة تروس متعددة النسب.
ترتيبات أصبحت لاحقاً من أساسيات السيارة، لكنها في ذلك الوقت كانت جزءاً من الإجابة عن سؤال كبير: كيف نصنع عربة لا تشبه عربة تجرها الخيول، وإنما آلة صممت منذ البداية لتتحرك بمحرك؟ وربما لهذا السبب لم يكن غريباً أن تجد بانهارد نفسها مبكراً في عالم السباقات.
فالمنافسة بالنسبة إلى رواد صناعة السيارات لم تكن مجرد بحث عن الفائز، بل كانت اختباراً للسيارة نفسها: للمحرك، وللإطارات، ولناقل الحركة، ولقدرة السائق على الوصول إلى النهاية.
وعندما وصلت الحكاية إلى المغرب، لم تكن بانهارد اسماً مجهولاً في عالم السيارات، كانت تحمل وراءها سنوات من التجربة والمنافسة.
والأهم أن وجود سيارات بانهارد في المغرب خلال تلك المرحلة ليس مجرد استنتاج من قصة السباق. فهناك صور أرشيفية تعود إلى سنة 1912 توثق وجود سيارات من صنع بانهارد في المغرب، من بينها سيارة Panhard-Genty 24 HP التي ظهرت في صور مرتبطة بالوجود العسكري الفرنسي في المملكة.
لكن هنا يجب أن نكون دقيقين، تلك السيارة العسكرية ليست هي السيارة التي نربط بها فوز سباق الرباط–الدار البيضاء، ولا يجوز استخدام صورتها دليلاً على أنها السيارة الفائزة.
فالوثيقة التاريخية تقول شيئاً مهما: بانهارد كانت موجودة في المغرب في تلك المرحلة، أما سيارة السباق نفسها، فتبقى مرتبطة بحكاية السباق الذي جعل اسم Panhard et Levassor يدخل واحدة من أولى صفحات رياضة السيارات المغربية.
ثم جاءت سنة 1926، ليصبح حضور العلامة أكثر وضوحاً من الناحية التجارية، في 8 أبريل من تلك السنة تأسست في الدار البيضاء Société Marocaine d’Automobiles، وكانت تمثل في المغرب مؤسسات Panhard-Levassor، وهنا تغيرت الحكاية.
لم تعد بانهارد مجرد سيارة تظهر على طريق، أو اسماً ارتبط بسباق مبكر، أصبح وراءها شركة، وتمثيل تجاري، وسوق.
وهكذا بدأت السيارة تتحول شيئاً فشيئاً من اختراع يثير الفضول إلى جزء من الحياة الاقتصادية والعمرانية في المغرب.



لكن أجمل ما في قصة بانهارد أنها جاءت في زمن كان المغرب نفسه يعيش تحولات عميقة. فالطريق الذي قطعته تلك السيارة لم يكن مجرد مسافة بين مدينتين، كان طريقاً بين زمنين. زمن كانت فيه السرعة تقاس بسرعة الحصان والقطار… وزمن بدأت فيه السيارة تقول:
أنا قادمة.
وبعد سنوات، ستعرف الطرق المغربية أسماء كثيرة، ستأتي Citroën.، وستصل Fiat.، وستظهر Opel.، ثم Simca و Peugeot و Renault…، وستتحول السيارة شيئاً فشيئاً من فرجة تستوقف الناس إلى رفيق يومي يرافقهم في السفر والعمل والحياة.
لكن قبل أن تصبح السيارة جزءاً عادياً من المشهد المغربي… كانت هناك بانهارد، سيارة لم تدخل الطريق لتقول فقط:”أنا هنا”، بل لتقول:”فلنرَ ماذا أستطيع أن أفعل”، قطعت الطريق، وسجلت زمناً.
وتركت اسمها في واحدة من أقدم صفحات رياضة السيارات بالمغرب، والأهم أنها فتحت سؤالاً سيكبر مع السنوات: إذا كان المغرب قد بدأ يتعرف إلى السيارة عبر الطريق والسباق… فمتى سيصل إلى اليوم الذي تصبح فيه السيارة نفسها جزءاً من صناعته؟
سيكون علينا أن ننتظر قليلاً، فالحكاية التالية ستقودنا إلى اسم فرنسي آخر…Citroën.
وهناك، لن تكون الحكاية عن سباق فقط، بل عن الشيفرون، والصحراء، والمغامرة، وسيارة تريد أن تثبت أن الطريق المغربي يمكن أن يكون بداية رحلة أبعد بكثير.
السبت المقبل… نفتح الباب من جديد، كل سبت… سيارة جديدة، وكل سيارة… حكاية.
