كان يا ما كان… كان هناك مغربٌ آخر، مغربٌ لم تكن شوارعه تعرف بعدُ ازدحام السيارات، ولا ضجيج المحركات، ولا أضواء المصابيح التي تشق عتمة الطريق ليلاً.
كانت الطرقات أكثر هدوءاً، والعربات تجرها الخيول، والقوافل تمضي على مهل، والمسافات تبدو أطول مما نعرفها اليوم. كان الطريق حكايةً بطيئة… إلى أن جاء يومٌ تغيّر فيه شيء.
ظهر جسم غريب على أربع عجلات، لا حصان أمامه، ولا أحد يجر.، فقط محرك ينبض، وعجلات تدور، وآلة تمضي إلى الأمام بقوة لم يألفها الناس من قبل.
كان المشهد أقرب إلى الحكاية منه إلى الواقع، لكن تلك الآلة الغريبة لم تكن عابرة سبيل، بل كانت تحمل معها زمناً جديداً. ومنذ أن بدأت السيارة تشق طريقها في المغرب، بدأت حكاية أخرى تُكتب.
حكاية لم تكن عن الحديد والمحركات فقط، وإنما عن الإنسان الذي وجد نفسه فجأة أمام وسيلة تختصر المسافات، وتقرّب المدن، وتغيّر معنى السفر.
ومع مرور السنوات، دخلت السيارة إلى تفاصيل الحياة المغربية، دخلت المدن والقرى، دخلت الأسواق والمهن، دخلت سيارات الأجرة والرحلات العائلية.
دخلت أعراس الناس وذكرياتهم، وأصبحت بالنسبة إلى البعض وسيلة للعمل، وبالنسبة إلى آخرين حلماً طال انتظاره، وبعض السيارات لم تكن مجرد سيارات… كانت أسماءً يعرفها جيل كامل.
سيارات ارتبطت بشوارع معينة، ومهن معينة، وأحياء معينة، ورحلات لا تزال تفاصيلها حاضرة في الذاكرة، ثم اختفت من الطرقات.، فمن ينسى سيارة كانت جزءاً من طفولته؟ ومن ينسى أول رحلة عائلية؟ أو أول مرة جلس فيها خلف مقود سيارة؟ أو ذلك الصوت الذي كان يعلن، من بعيد، أن سيارة يعرفها الجميع تقترب؟
هنا تبدأ الأسئلة، كيف وصلت السيارة إلى المغرب؟ من كان أول من قادها؟ كيف استقبلها المغاربة؟كيف انتقلت من آلة تثير الدهشة إلى وسيلة أصبحت جزءاً من الحياة اليومية؟
ومتى بدأ المغرب ينتقل من استيراد السيارات إلى التفكير في تجميعها وصناعتها؟ ثم يأتي السؤال الأكبر: ماذا غيّرت السيارة في المغرب؟ هل غيّرت طريقة السفر فقط؟ أم أنها غيّرت المدن أيضاً؟
هل غيّرت شكل التجارة والعمل؟ هل قرّبت العائلة من بعضها؟ هل صنعت مهنًا جديدة وأحلاماً جديدة؟ وربما الأهم من ذلك كله… هل يمكن أن نحكي تاريخ المغرب من خلال السيارات التي عبرت طرقه؟
من هنا جاءت فكرة “حكاية سيارة”، ركن جديد خصصه موقع Automedia.ma لفتح صفحات من ذاكرة الطريق، والعودة إلى سيارات لم تكن مجرد وسائل للنقل، بل كانت شاهدة على أزمنة وتحولات اجتماعية واقتصادية وإنسانية.
في كل حكاية، سنبحث عن الصورة القديمة، والإعلان المنسي، والوثيقة، والصحيفة، والأرشيف. سنعود إلى الطرق التي عبرتها السيارات، والأماكن التي احتضنتها، والورش التي أصلحتها، والأشخاص الذين عاشوا معها. سنبحث عن أصحاب الذاكرة… عن رجل ما زال يتذكر سيارته الأولى، وعن ميكانيكي يعرف أسرار محرك قديم.
وعن صورة عائلية تقف فيها سيارة إلى جانب أصحابها، دون أن يدرك أحد وقتها أنها ستصبح بعد عقود وثيقة من وثائق الذاكرة.
سنبحث عن الحكاية التي تختبئ خلف السيارة، لأننا في «حكاية سيارة» لا نريد أن نسأل فقط: كم كانت سرعتها؟ وما نوع محركها؟ وكم كان ثمنها؟
بل نريد أن نسأل السؤال الذي يهمنا أكثر: ماذا فعلت عندما وصلت إلى المغرب؟ ماذا غيّرت؟ ومن غيّرت؟ وماذا تركت خلفها عندما غادرت الشوارع؟
قد نكتشف في إحدى الحلقات سيارة مرّت أمام أعيننا مئات المرات، لكننا لم نعرف قصتها، وقد نعود إلى سيارة كان آباؤنا أو أجدادنا يحلمون بامتلاكها.
وقد نجد سيارة اختفت منذ سنوات طويلة، لكنها ما زالت حية في ذاكرة جيل بأكمله، وربما تقودنا إحدى الحكايات إلى قصة أكبر…
قصة المغرب الذي انتقل، خطوة بعد أخرى، من بلد يستقبل السيارات إلى بلد يصنعها ويصدرها إلى العالم.
وهكذا سنسافر معاً… من السيارة إلى الإنسان، ومن الإنسان إلى المكان، ومن المكان إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى التاريخ.
لأن “حكاية سيارة” ليست حكاية ما يوجد تحت غطاء المحرك، إنها حكاية الإنسان الذي قادها، والمدينة التي عبرتها، والطريق الذي غيّرته، والزمن الذي جاءت منه.
ولهذا، يفتح لكم موقع Automedia.ma هذا الركن الجديد، ليكون موعداً أسبوعياً مع حكاية من حكايات الطريق.
كل مساء يوم السبت، ستطل عليكم «حكاية سيارة» من ركنها على الموقع، حكاية جديدة… سيارة جديدة…
وزمن جديد نعود إليه معاً.
لن نكشف لكم الآن كل ما ينتظركم، سنترك للحكاية أسرارها… وللسيارة مفاجأتها…وللسبت موعده.
فكونوا في الموعد، لأننا لا نريدكم أن تقرؤوا الحكاية فقط..، نريدكم أن تتذكروا، فحين تبدأ العجلات في الكلام …لن يكون الطريق كما كان.
