رغم أن الصين تعد أكبر مستورد للنفط في العالم، فإن أزمة الإمدادات الناتجة عن الحرب على إيران واضطراب الملاحة في مضيق هرمز لم تضرب اقتصادها بالقوة التي كان يمكن توقعها قبل سنوات. والسبب الأبرز هو التحول السريع في سوق السيارات الصينية نحو المركبات الكهربائية والهجينة، وهو تحول بدأ كخطة صناعية طويلة الأمد، ثم أصبح اليوم جزءًا أساسيًا من أمن الطاقة في البلاد.
يمر عبر مضيق هرمز نحو خمس إنتاج النفط العالمي، ما يجعل أي توتر في المنطقة مؤثرًا مباشرة في الدول الكبرى المستوردة للطاقة. وتأتي الصين في مقدمة هذه الدول، خصوصًا أن جزءًا مهمًا من وارداتها النفطية يمر عبر هذا المسار البحري الحساس.
ومع تصاعد الحرب واضطراب الشحنات، تراجعت واردات الصين النفطية، فيما ارتفعت الأسعار وزادت المخاوف من تأثير الأزمة في قطاعات النقل والصناعة. لكن الانتشار الواسع للسيارات الكهربائية ساعد على تقليل حجم الطلب على البنزين والديزل، ومنح بكين مساحة أكبر للتعامل مع الأزمة.
السيارات الكهربائية تقلل الضغط على النفط
تشير البيانات إلى أن السيارات الكهربائية والهجينة أصبحت تمثل نحو 62% من مبيعات السيارات الجديدة داخل السوق الصينية، وهي نسبة تعكس حجم التحول الذي شهدته البلاد خلال فترة قصيرة.
هذا الانتشار لم يعد مجرد ظاهرة مرتبطة بالتكنولوجيا أو حماية البيئة، بل أصبح عنصرًا مباشرًا في خفض استهلاك الوقود. فكل سيارة كهربائية تدخل الخدمة تعني طلبًا أقل على البنزين، وهو ما يخفف الضغط على واردات النفط في أوقات الأزمات.
ويتوقع خبراء أن يتراجع الطلب الصيني على النفط بصورة دائمة بنحو مليوني برميل يوميًا مع استمرار انتشار السيارات الكهربائية وتحسن كفاءة استهلاك الطاقة. ويمنح هذا التراجع الصين قدرة أكبر على مواجهة اضطرابات الأسواق العالمية مقارنة بدول ما زالت تعتمد بصورة أكبر على المركبات التقليدية.
التحول الكهربائي يتجاوز سيارات الركاب
لم يقتصر التحول في الصين على السيارات الخاصة، بل امتد إلى سيارات الأجرة والحافلات وشاحنات النقل.
تحولت نصف سيارات الأجرة في البلاد إلى الكهرباء بالفعل، بينما اقتربت بعض المدن الكبرى من تشغيل أساطيلها بالكامل بالطاقة الكهربائية. كما تستهدف الصين تحويل 80% من شاحنات النقل إلى أنظمة تشغيل كهربائية، وهي خطوة يمكن أن تخفض استهلاك الديزل بصورة كبيرة خلال السنوات المقبلة.
ويعد قطاع النقل من أكبر مستهلكي النفط، لذلك فإن كهربة السيارات التجارية والشاحنات تمنح الصين تأثيرًا أوسع من مجرد زيادة مبيعات السيارات الكهربائية للأفراد.
صناعة محلية تمنح الصين أفضلية
تستفيد الصين كذلك من امتلاكها واحدة من أقوى صناعات السيارات الكهربائية في العالم، إذ تنتج نحو 70% من السيارات الكهربائية عالميًا، إلى جانب نسبة كبيرة من البطاريات والمكونات المستخدمة في مشاريع الطاقة النظيفة.
هذا التفوق الصناعي يعني أن بكين لا تحتاج إلى الاعتماد بصورة كبيرة على شركات أجنبية لتسريع التحول الكهربائي، كما يمنح المصنعين الصينيين فرصة لتوسيع حضورهم في الأسواق العالمية مع ازدياد اهتمام الدول بتقليل استهلاك النفط.
وتحولت شركات السيارات الصينية خلال السنوات الأخيرة إلى منافس قوي في الأسواق الدولية، مدفوعة بأسعار تنافسية وتقنيات متقدمة وتنوع كبير في الطرازات. ومع استمرار أزمات الطاقة، قد تصبح هذه السيارات أكثر جاذبية للدول التي تبحث عن وسائل نقل أقل ارتباطًا بأسعار الوقود.
