الدار البيضاء – لم تعد السيارات الصينية في المغرب مجرد وافد جديد يبحث عن موطئ قدم. ففي 2026، تحولت هذه العلامات إلى طرف أساسي في المنافسة، بعدما سجلت نمواً سريعاً في المبيعات ووسعت حضورها في سوق يشهد بدوره انتعاشاً واضحاً.
والأهم في هذا التحول أن السيارات الصينية لم تعد تُعامل في السوق المغربية باعتبارها خياراً تجريبياً أو بديلاً منخفض السعر فقط. فالحضور المتزايد لهذه العلامات بدأ يفرض نفسه على طريقة المنافسة نفسها، ويدفع المستوردين والمصنعين التقليديين إلى إعادة النظر في الأسعار والتجهيزات والعروض الموجهة إلى المستهلك. وبذلك أصبحت المنافسة الصينية عاملاً مؤثراً في قرارات السوق، وليس مجرد ظاهرة مرتبطة بدخول علامات جديدة.واللافت أن هذا الصعود تحقق داخل سوق تنمو هي الأخرى.
فقد بلغت مبيعات السيارات الجديدة بالمغرب 104,555 سيارة خلال يناير وماي 2026، بزيادة قدرها 17.8% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وهذا يعني أن العلامات الصينية لم تستفد فقط من توسع السوق، بل نجحت أيضاً في انتزاع مساحة أكبر داخلها.
خلف هذا النمو توجد معادلة تجارية واضحة. فالعلامات الصينية دخلت السوق بتشكيلة واسعة تشمل سيارات البنزين والهجينة والكهربائية والهجينة القابلة للشحن، مع تجهيزات تقنية متقدمة وأسعار تنافسية. وأصبح المستهلك المغربي أمام خيارات لم تكن متاحة بهذا التنوع قبل سنوات، من أنظمة مساعدة السائق والشاشات الرقمية إلى تجهيزات الراحة والاتصال.
وهكذا بدأت معايير الاختيار تتغير. فاسم العلامة وبلد المنشأ لم يعودا وحدهما كافيين لإقناع المشتري، الذي أصبح يقارن بشكل مباشر بين السعر والتجهيز والاستهلاك والضمان وخدمة ما بعد البيع. وهذه المنافسة تدفع مختلف العلامات الموجودة في السوق إلى تحسين عروضها للحفاظ على مواقعها.
غير أن الاختبار الحقيقي للسيارات الصينية لن يكون في صالات العرض فقط، بل بعد خروج السيارة منها. فثقة المستهلك ستتوقف بدرجة كبيرة على توفر قطع الغيار، وانتشار مراكز الصيانة، وسرعة معالجة الأعطاب، وجودة الضمان، ثم قيمة السيارة عند إعادة بيعها. وهي عناصر تحتاج إلى سنوات من الحضور في السوق حتى تتشكل حولها صورة واضحة.
وتملك العلامات الصينية ورقة إضافية مهمة: السيارات المكهربة. فقد دخلت السوق المغربية بقوة في السيارات الهجينة والكهربائية والهجينة القابلة للشحن، مستفيدة من خبرة صينية واسعة في هذه التقنيات. ومع اتجاه السوق المغربية تدريجياً نحو السيارات الأقل استهلاكاً للوقود، يمكن لهذه العلامات أن تعزز موقعها أكثر في السنوات المقبلة.
لكن الحديث عن هيمنة صينية سابقة لأوانه. فالعلامات الأوروبية والكورية واليابانية ما زالت تتمتع بشبكات توزيع وخدمة راسخة وثقة تراكمت لدى المستهلك المغربي على مدى عقود. لذلك ستكون المنافسة المقبلة مختلفة: لن يكفي بيع عدد كبير من السيارات في السنة الأولى، بل سيكون المطلوب بناء ثقة طويلة الأمد.
المؤكد أن قواعد اللعبة تغيرت. فقد أصبح المستهلك المغربي أمام عدد أكبر من الخيارات، وأصبحت العلامات مطالبة بتقديم قيمة حقيقية مقابل السعر. وفي هذه المعادلة الجديدة، لن يكون الفائز بالضرورة صاحب الاسم الأشهر، وإنما من يستطيع أن يقدم سيارة مقنعة اليوم، وخدمة موثوقة غداً، وقيمة تحافظ عليها السيارة عند إعادة بيعها.
