الدار البيضاء – شراء سيارة مستعملة قد يبدو في ظاهره صفقة بسيطة: سيارة بالمواصفات المطلوبة، وسعر يبدو مناسباً، واتفاق سريع مع البائع. لكن ما يبدو فرصة جيدة اليوم قد يتحول، بعد أيام أو أسابيع، إلى سلسلة من المصاريف والإصلاحات التي لم تكن في الحسبان.
ولفهم أكثر الأخطاء التي يقع فيها المشترون عند اقتناء سيارة مستعملة، استمع فريق ” automedia” إلى عدد من المهنيين والمتخصصين في مجال السيارات والصيانة والفحص، وطرح عليهم سؤالاً بسيطاً: ما الذي يجب أن ينتبه إليه المشتري قبل أن يشتري سيارة مستعملة؟
أجمع جل المهنيين ممن استقينا آراءهم على أن أول قاعدة ينبغي احترامها هي عدم الانخداع بالسعر المنخفض. فالفارق الكبير بين سعر سيارة وسعر مثيلاتها في السوق ليس بالضرورة فرصة رابحة، بل قد يكون مؤشراً يستحق البحث والتدقيق. سيارة تعرض بثمن أقل بكثير من قيمتها المتداولة قد تخفي أعطالاً ميكانيكية، أو آثار حادث سابق، أو إصلاحات لم تنجز بالشكل المطلوب. ولذلك، فإن السؤال الصحيح ليس «كم سأوفر؟»، وإنما «لماذا يباع هذا السيارة بهذا السعر؟».
ومن أكثر الأمور التي شدد عليها المهنيون ضرورة معرفة تاريخ السيارة قبل اتخاذ القرار. وهنا تبرز أهمية رقم الهيكل VIN، الذي ينبغي مطابقته مع البيانات الموجودة في وثائق المركبة ومع الرقم المثبت عليها. ولا ينبغي التعامل مع رقم الهيكل باعتباره مجرد إجراء شكلي، بل كوسيلة أساسية للتحقق من هوية السيارة ومعلوماتها المتاحة عبر القنوات الرسمية والمهنية المناسبة.
لكن التحقق من الوثائق وحده لا يكفي. فالمهنيون الذين استقى ” automedia” آراءهم يؤكدون أن المعاينة الميكانيكية المستقلة قبل الشراء يمكن أن توفر على المشتري مشاكل كبيرة لاحقاً. العين غير المتخصصة قد لا تلاحظ آثار إصلاحات هيكلية أو مؤشرات على أعطال في المحرك وناقل الحركة أو مشاكل في التعليق والفرامل. لذلك، فإن إنفاق مبلغ على فحص مهني قبل الشراء قد يكون أفضل بكثير من اكتشاف العطل بعد إتمام الصفقة.
ومن الأخطاء التي تتكرر أيضاً، بحسب المهنيين، الاكتفاء بتشغيل السيارة لبضع دقائق وهي متوقفة. فحالة السيارة لا تظهر بالكامل إلا أثناء القيادة. ولذلك ينصحون بتجربتها في ظروف مختلفة قدر الإمكان، مع الانتباه إلى تشغيل المحرك، واستجابة ناقل الحركة، والفرامل، والتوجيه، والأصوات غير الطبيعية، والثبات، إضافة إلى المكيف والتجهيزات الإلكترونية الأساسية.
ويشير المتخصصون كذلك إلى أن بعض العيوب لا تظهر بالضرورة في أول دقائق القيادة، وهو ما يجعل الفحص المهني أكثر أهمية، خصوصاً بالنسبة للمشتري الذي لا يمتلك معرفة تقنية كافية. كما أن وجود إصلاحات سابقة ليس بالضرورة سبباً لرفض السيارة، لكن المهم هو معرفة طبيعة هذه الإصلاحات وجودتها ومدى تأثيرها على السلامة والقيمة المستقبلية للمركبة.
وفي المقابل، يحذر المهنيون في تصريحاتهم لـ” automedia”، من تجاهل الجانب القانوني والإداري للمعاملة. فقبل دفع أي مبلغ، يجب التأكد من هوية البائع، ومطابقة بياناته مع الوثائق، والتحقق من وضعية السيارة القانونية، والتأكد من سلامة إجراءات نقل الملكية وعدم وجود قيود أو رهون أو مشاكل يمكن أن تعرقل عملية البيع.
أما العربون، فيبقى من أكثر النقاط التي تستدعي الحذر. فالضغط الذي يمارسه بعض البائعين بعبارات من قبيل «هناك مشتر آخر ينتظر» أو «إذا لم تدفع الآن ستضيع عليك السيارة» لا ينبغي أن يدفع المشتري إلى التخلي عن الفحص والتحقق من الوثائق. الصفقة الجيدة لا تحتاج إلى استعجال، والمشتري الذي يطلب التأكد من السيارة قبل الدفع لا يضيع وقته، بل يحمي ماله.
ومن النصائح التي تتكرر أيضاً عدم الاعتماد على كلام البائع وحده، حتى عندما يبدو صادقاً. فالبائع قد يعرف جزءاً من تاريخ السيارة، وقد لا يعرف جزءاً آخر، وقد تختلف رؤيته لحالة السيارة عن تقييم المختص. لذلك يجب أن يكون القرار مبنياً على مجموعة من العناصر: الوثائق، المعاينة، الفحص المهني، وتجربة القيادة.
وخلص المهنيون الذين تحدث إليهم ” automedia” إلى أن أهم خطأ يمكن أن يرتكبه المشتري هو الاستعجال، لأن الرغبة في اقتناص سيارة بسعر مناسب قد تدفع البعض إلى دفع العربون قبل الفحص، أو تجاهل ملاحظة مقلقة، أو قبول وثائق تحتاج إلى مزيد من التحقق.
وأضافوا أنه لا توجد سيارة مستعملة خالية بالضرورة من آثار الاستعمال، كما أن وجود بعض العيوب لا يعني تلقائياً أن السيارة سيئة. المهم هو أن يعرف المشتري حقيقة ما سيشتري، وأن يقارن بين حالة السيارة وسعرها، وأن يحسب تكاليف الإصلاح المحتملة قبل اتخاذ القرار.
فالصفقة الذكية ليست أن تشتري بأقل سعر، وإنما أن تعرف ما الذي تشتريه قبل أن تدفع ثمنه. وبين سيارة تبدو رخيصة في الإعلان وسيارة تستحق فعلاً سعرها، قد يصنع الفحص والتدقيق كل الفرق.
