هناك سيارات تصل إلى بلد ما لكي تُباع… وهناك سيارات تصل، ثم تترك وراءها شيئاً أكبر من أرقام المبيعات ، سيارة فياط من هذا النوع. فحين بدأ اسمها يظهر في المغرب، لم يكن أحد يعرف أن هذه العلامة الإيطالية الصغيرة القادمة من تورينو ستصبح، بعد عقود، جزءاً من قصة أكبر بكثير : قصة ولادة صناعة السيارات المغربية.
لكن الحكاية تبدأ قبل ذلك بكثير، في تورينو، سنة 1899، اجتمع تسعة شركاء لتأسيس شركة حملت اسماً طويلاً أصبح لاحقاً واحداً من أشهر الأسماء في عالم السيارات: FIAT – Fabbrica Italiana Automobili Torino. ومنذ سنواتها الأولى، دخلت الشركة عالم السيارات والسباقات، ثم أخذت تكبر مع اتساع صناعة السيارات في أوروبا.
أما في المغرب… فكان اسم فياط قد بدأ يأخذ طريقه مبكرا، والدليل لا يأتي من رواية متداولة، بل من وثيقة تعود إلى سنة 1929.
في ذلك العام تأسست في الدار البيضاء “المركز الشريف للسيارات” – Centrale Automobile Chérifienne، وهي شركة ستصبح لاحقاً من الأسماء المعروفة في سوق السيارات المغربي. وتذكر وثائق تاريخية للشركة أنها كانت تعمل في تجارة السيارات والجرارات، وخاصة علامة فياط، كما تشير وثائق الهيئة المغربية لسوق الرساميل إلى أن الشركة تأسست سنة 1929.
تأملوا المشهد…1929، السيارة لم تكن بعد شيئاً عادياً في الحياة المغربية، ومع ذلك، كان في الدار البيضاء عنوان يحمل اسم فياط، وهنا تظهر أولى مفارقات الحكاية: الموقع الذي ستصبح له لاحقاً علاقة وثيقة بعلامات ألمانية مثل فولكسفاغن وأودي وغيرها، بدأ فصله المبكر مع فيات الإيطالية، لكن هذه لم تكن سوى البداية.
بعد نحو ثلاثة عقود، ستعود فيات إلى المغرب في لحظة أكثر أهمية بكثير. كان العالم قد خرج من الحرب، وكانت السيارة قد تحولت من اختراع نخبوي إلى وسيلة يتطلع إليها مجتمع بأكمله.
وفي المغرب، بدأت فكرة أكبر تتشكل: لماذا لا نكتفي باستيراد السيارات؟ لماذا لا ننتجها هنا؟ ومن هنا تدخل فياط إلى فصل جديد من الحكاية.
ففي نهاية الخمسينيات، اتجه المغرب إلى إنشاء صناعة سيارات محلية، بالتعاون مع فياط وسيمكا.
وفي 1959 تأسست صوماكا في الدار البيضاء، وكان الهدف الأول هو تجميع السيارات اعتماداً على مجموعات وقطع تأتي من الخارج. وتذكر فياط نفسها أن هذا المشروع كان من بين البدايات التي أسهمت في نشوء صناعة السيارات بالمغرب.
ثم جاء العام المنتظر: 1962، بدأت صوماكا تجميع سيارات فياط، ومن بين النماذج الأولى التي دخلت خطوط الإنتاج فياط 600 و1100 و1500 و2300. وتوثق البيانات التاريخية لصوماكا أن إنتاج هذه الطرازات بدأ في ذلك العام، وهنا تغيّرت طبيعة الحكاية.
لم يعد المغربي ينتظر السيارة التي تأتي جاهزة من بعيد، لقد أصبحت هناك سيارة تُجمع هنا، في الدار البيضاء، على أرض مغربية، وبأيدٍ مغربية تعمل داخل تجربة صناعية جديدة.
كانت المسألة أكبر من فيات نفسها، لقد كانت لحظة انتقال: من الاستيراد… إلى التجميع، ومن التجميع ستبدأ رحلة طويلة نحو التصنيع.
ولذلك عندما تحتفل فياط بتاريخ حضورها في المغرب، فإنها لا تستحضر فقط السيارات التي باعتها هنا.
ففياط تعتبر أن حضورها المغربي يعود إلى 1958، وتربط تاريخها بالمغرب منذ تلك المرحلة وبمساهمتها في ولادة الصناعة المحلية، قبل أن تتوالى لاحقاً أسماء مثل فياط 124، و127، وكرُوما، وأونو، وباليو، وسيينا في السوق المغربية.
وقد يبدو للوهلة الأولى أن هناك تناقضاً: كيف نقول إن فياط كانت حاضرة في المغرب سنة 1929، بينما تقول الشركة إن دخولها إلى السوق المغربية كان سنة 1958؟



ليس هناك بالضرورة تناقض، 1929 يوثق مرحلة تمثيل وتجاري مرتبطة بالمركز الشريف للسيارات، بينما 1958 هو التاريخ الذي تعتمد عليه فياط عند الحديث عن حضورها الحديث في السوق المغربية ودورها في مشروع الصناعة المحلية.
وفي «حكاية سيارة»، نفرق دائماً بين التاريخين، لأن الحكاية الجميلة لا تصبح أقوى عندما نبالغ فيها… بل عندما تكون أكثر دقة.
واليوم، حين يتحدث الناس عن صناعة السيارات المغربية، تبدو المسافة هائلة بين ذلك المصنع الأول وبين مصانع السيارات الحديثة.
لكن لا ينبغي أن ننسى البدايات، وربما لهذا تبدو فياط في هذه الحكاية مختلفة عن السيارات التي سبقتها، دايملر جاءت في زمن الدهشة، بانهارد دخلت من باب السباق، سيتروين جاءت ومعها روح المغامرة، أما فياط فقد بدأت تتحول من اسم على سيارة إلى جزء من مشروع صناعي مغربي، وربما هنا تكمن أهمية الحكاية كلها.
فقد تبدأ السيارة كقطعة معدنية تصل من ميناء بعيد… ثم تنتهي ذات يوم وهي تخرج من مصنع على أرض البلد نفسه، من تورينو إلى الدار البيضاء، من شعار إيطالي على سيارة مستوردة… إلى سيارة تحمل في قصتها شيئاً من العمل المغربي.
وهكذا، عندما ترى اليوم سيارة تُصنع في المغرب وتتجه نحو العالم، تذكر أن وراء هذه الصناعة تاريخاً طويلاً، تاريخاً بدأت بعض فصوله بأسماء قديمة… وكان من بينها اسم واحد ظل يعود كل مرة إلى الطريق: فياط.
لكن الحكاية التالية ستأخذنا إلى اسم ألماني هذه المرة، سيارة دخلت المغرب في زمن كانت فيه السيارات الألمانية تعني شيئاً مختلفاً… “أوبل”، والسؤال سيكون: كيف بدأت السيارة الألمانية تشق طريقها في المغرب القديم؟ السبت المقبل… نفتح الباب من جديد، كل سبت… سيارة جديدة، وكل سيارة… حكاية.
