قبل أن تصبح السيارة جزءاً من ذاكرة الشارع المغربي، وقبل أن تبدأ مصانع المغرب في تركيب السيارات التي ستصبح لاحقاً جزءاً من الحياة اليومية لآلاف الأسر، كانت هناك قصة أخرى تُكتب بعيداً عن المغرب… قصة سيارة وُلد اسمها في فرنسا، لكن قلبها حمل منذ البداية نبضاً إيطالياً. إنها ” Simca” .
ولفهم حكاية هذه السيارة، علينا أن نعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، حين كانت صناعة السيارات الأوروبية تبحث عن طريقها وسط التحولات الاقتصادية والسياسية التي عرفتها القارة.
في فرنسا، كانت شركة SAFAF مرتبطة بشركة Fiat الإيطالية، وتقوم باستيراد وتصنيع سياراتها. لكن ارتفاع الرسوم الجمركية والإجراءات الحمائية جعل استيراد السيارات أقل قدرة على المنافسة، فكان الحل هو تصنيعها داخل فرنسا، هنا بدأت قصة “سيمكا”.
تأسست الشركة في نهاية سنة 1934، وبدأ إنتاج السيارات في مصنع نانتير سنة 1935. ومنذ البداية لم تكن العلاقة مع فياط مجرد مصادفة؛ فقد كانت “سيمكا” امتداداً فرنسياً لنفوذ صناعي إيطالي، يقوده رجل لعب دوراً محورياً في هذه القصة: Henri Théodore Pigozzi، الإيطالي المولود في تورينو، الذي أصبح أحد أهم مهندسي صعود “سيمكا”.

وهكذا حملت السيارة اسماً فرنسياً، لكنها لم تتخلص من جذورها الإيطالية. ومع مرور السنوات، بدأت “سيمكا” تبتعد تدريجياً عن كونها مجرد صانع لسيارات فياط في فرنسا. وجاءت لحظة فارقة سنة 1951 مع Simca Aronde، أول طراز لسيمكا لا يكون مجرد سيارة فيات معاد تقديمها، وإن ظل تأثير المدرسة الإيطالية واضحاً في هندستها. لكن القصة لم تتوقف هنا.

في نهاية الخمسينيات، دخلت شركة Chrysler الأمريكية على خط “سيمكا”، بينما ظلت فياط حاضرة في خلفية المشهد. ومن هذا المزيج الغريب بين إيطاليا وفرنسا وأمريكا، خرجت واحدة من أشهر سيارات “سيمكا” وأكثرها ارتباطاً بالذاكرة الشعبية: Simca 1000.
حتى هذه السيارة، التي تبدو فرنسية تماماً في صورتها النهائية، تخفي وراءها قصة إيطالية. فقد كان أصل مشروعها مرتبطاً بدراسات أجريت داخل فيات في تورينو، قبل أن يقنع بيغوزي المسؤولين الإيطاليين بمنح “سيمكا” فرصة تحويل المشروع إلى سيارة تحمل اسمها. وهكذا انتقلت فكرة ولدت في إيطاليا إلى سيارة ستصبح رمزاً من رموز السيارات الفرنسية الصغيرة.

لكن، في هذه الحلقة، لا تهمنا “سيمكا” الفرنسية وحدها، ما يهمنا أكثر هو اللحظة التي عبرت فيها هذه القصة المتوسط، ووصلت إلى المغرب.
ففي نهاية الخمسينيات كان المغرب المستقل حديثاً يبحث عن بناء قاعدة صناعية وطنية، وكانت صناعة السيارات من المجالات التي بدأت تلوح في الأفق.
وفي سنة 1959 تأسست SOMACA، الشركة المغربية لصناعة السيارات، بمساهمة الدولة المغربية وبدعم من فياط و”سيمكا”. وبعد ذلك تم الاتفاق على تركيب سيارات فياط و”سيمكا” في منشآت الشركة بالدار البيضاء. وتكشف وثيقة تاريخية نشرتها صحيفة Le Monde سنة 1960 عن اتفاق بين فياط و”سيمكا” من جهة، ومكتب الدراسات والمساهمات الصناعية الذي يمثل الدولة المغربية من جهة أخرى، لإنشاء مصنع لتركيب السيارات بالدار البيضاء، ثم جاءت اللحظة التي ستجعل اسم “سيمكا” أكثر التصاقاً بذاكرة السيارات في المغرب.

سنة 1963 بدأ تركيب سيارات Simca Aronde وSimca Ariane في صوماكا. وبعد ذلك ستظهر طرازات أخرى من العلامة في مسار التجميع المغربي، من بينها Simca 1000 وSimca 1300 وSimca 1301، ضمن مرحلة مبكرة من تاريخ صناعة السيارات بالمغرب.
وهنا تصبح حكاية “سيمكا” أكبر من مجرد حكاية سيارة. ففي الدار البيضاء لم تعد السيارة مجرد منتج يصل من وراء البحر. لقد دخلت إلى ورشات صناعة مغربية ناشئة، في وقت كان فيه المغرب يضع اللبنات الأولى لصناعة ستتغير ملامحها كثيراً خلال العقود التالية.
السيارة التي جمعت في أصلها بين إيطاليا وفرنسا وأمريكا، وجدت نفسها في المغرب جزءاً من تجربة صناعية جديدة. وربما لهذا السبب بقيت “سيمكا” حاضرة في ذاكرة جيل كامل من المغاربة.
كانت تراها العائلات في الشوارع، وتظهر في المدن والطرق الوطنية، وتدخل إلى الحياة اليومية بعيداً عن لغة المصانع والأرقام. ومع مرور الوقت، تحولت بعض طرازاتها من مجرد وسائل نقل إلى علامات في ذاكرة أصحابها: سيارة الأسرة، سيارة الأب، سيارة الرحلة الأولى، أو تلك التي بقيت لسنوات في المرآب قبل أن تختفي تدريجياً من المشهد. لكن حكاية “سيمكا” كانت تقترب من نهايتها.
فبعد أن تعزز نفوذ كرايسلر، أصبحت “سيمكا” جزءاً من مشروع صناعي أمريكي أوسع في أوروبا، ثم تغير اسم الشركة إلى Chrysler France سنة 1970.
وفي سنة 1978 باعت كرايسلر وحداتها الأوروبية، ومنها Chrysler-France، إلى Peugeot. وهنا كانت صفحة جديدة تفتح في تاريخ الصناعة والسيارات الفرنسية، وصفحة أخرى كانت تنتظر أن تُكتب في المغرب أيضاً.

وهكذا تنتهي حكاية “سيمكا”، لكن ليس تماماً، لأن السيارة التي بدأت قصتها من إيطاليا، وولدت في فرنسا، وحملت لاحقاً تأثيراً أمريكياً، وجدت في المغرب مكاناً آخر في ذاكرتها… داخل صوماكا، حيث كانت صناعة السيارات المغربية تخطو خطواتها الأولى.
ومن بين كل الأسماء التي عبرت تلك المرحلة، كان هناك اسم سيأخذ مكاناً خاصاً في ذاكرة المغاربة، وسيصبح لاحقاً واحداً من أكثر الأسماء ارتباطاً بالسيارة العائلية وبالطريق المغربي، اسم عرفه المغاربة طويلاً… “بيجو”.
لكن كيف وصلت “بيجو” إلى المغرب؟ ومتى بدأت قصتها هنا؟ وكيف انتقلت من مجرد علامة أجنبية إلى واحدة من أكثر السيارات حضوراً في ذاكرة المغاربة؟
تلك حكاية أخرى… نلتقي فيها السبت المقبل، في «حكاية سيارة». كل سبت… سيارة جديدة.
وكل سيارة… حكاية.
