قبل أن تصبح «أوبل» اسماً مألوفاً في ذاكرة السائق المغربي… كان هناك زمن كانت فيه السيارة نفسها لا تزال ضيفاً غريباً على الطرق.
زمن كانت فيه السيارات قليلة، وأسماؤها أشبه بأسماء قادمة من مدن بعيدة، وكان ظهور سيارة جديدة كافياً لكي تتوقف العيون عن متابعة الطريق… وتبدأ في متابعة السيارة.
وفي المغرب، كان اسم ألماني قد بدأ يجد طريقه إلى المشهد، أوب.. لا نملك، حتى الآن، وثيقة حاسمة تقول لنا: هذه هي اللحظة الأولى التي دخلت فيها أول “أوبل” إلى المغرب، لكننا نملك شيئاً أكثر أهمية في البحث التاريخي: دليلاً رسمياً على أنها كانت موجودة هنا بالفعل منذ عشرينيات القرن الماضي.
ففي 16 يوليوز 1929 نشرت الجريدة الرسمية للمغرب لائحة السيارات المسجلة خلال الربع الثاني من السنة في مركز الرباط، وكان من بينها سيارتان من علامة “أوبل”. في القائمة نفسها ظهرت أسماء كبيرة مثل سيتروين وفياط وفورد ورونو وبيجو وبانهارد وليفاسور.
سيارتان فقط؟ ربما، لكن خلف هذا الرقم الصغير حكاية أكبر، لأن وجود “أوبل” في السجل الرسمي يعني أن الاسم الألماني لم يكن مجرد صورة في مجلة أو سيارة عابرة في ميناء؛ بل كانت هناك سيارات تسير فعلاً في المغرب، وتدخل النظام الرسمي للتسجيل.
وهنا يبدأ السؤال: من أين جاءت “أوبل” أصلاً؟ قبل السيارة بزمن طويل، كان في ريشلسهايم بألمانيا مصنع يحمل اسم عائلة “أوبل”. لكن التحول الحقيقي جاء سنة 1899، عندما بدأت الشركة إنتاج السيارات، لتدخل واحدة من أقدم الصناعات الجديدة التي ستغير وجه القرن العشرين. وبعدها بعشر سنوات تقريباً، ستطلق سنة 1909 “أوبل” «Doktorwagen»، سيارة جعلت امتلاك السيارة أقرب إلى طبقات أوسع من المجتمع، بعد أن كان عالم السيارات شديد الارتباط بالأثرياء، ثم جاءت سنة 1924…
وهنا حدث شيء سيغير قصة أوبل إلى الأبد، وضعت الشركة سيارة صغيرة على خط إنتاج متحرك، اسمها Opel 4/12 PS. لونها الأخضر جعلها تحصل على لقب طريف سرعان ما التصق بها: Laubfrosch… «ضفدع الشجر».
لكن خلف الاسم الطريف كانت ثورة صناعية حقيقية، كانت “أوبل” أول شركة ألمانية لصناعة السيارات تعتمد الإنتاج على خط التجميع، وأصبح إنتاج سيارة لم يعد يتطلب الوقت نفسه الذي كان يحتاجه الإنتاج اليدوي. وبين مايو 1924 ويونيو 1931، صنعت الشركة نحو 120 ألف سيارة من طراز 4 PS ومشتقاته.
لقد بدأت “أوبل” تفهم شيئاً مهماً: حتى السيارة يجب أن تصبح في متناول الناس، ولم تكن هذه الفكرة ألمانية فقط. كانت تتشكل في صناعة السيارات في كل مكان، السيارة تنتقل من لعبة للأثرياء إلى وسيلة نقل يمكن أن تصل إلى جمهور أوسع.
وفي الوقت الذي كانت فيه “أوبل” تغيّر طريقة تصنيع السيارة في ألمانيا، كان المغرب بدوره يتغير، المدن تكبر، الموانئ تتحول إلى مراكز تجارية.
والطرق بدأت تستقبل سيارات من علامات أوروبية مختلفة.
وفي هذا المشهد، كان يمكن لسيارة “أوبل” أن تبدو مختلفة، ليست فرنسية مثل رونو أو بيجو، وليست إيطالية مثل فياط، إنها ألمانية. وهنا ربما تكمن إحدى نقاط جاذبيتها الأولى، لكن الحكاية لم تتوقف عند التسجيلات القليلة في الرباط، في المغرب، ستصل “أوب، بعد عقود إلى منعطف أكثر أهمية بكثير، سنة 1970، هذه المرة لم تعد المسألة سيارة أو اثنتين تسيران في أحد شوارع المملكة.
الموضوع أصبح مصنعاً، فبحسب وثائق تاريخية حول صوماكا، وقعت الدولة المغربية اتفاقاً مع جنرال موتورز ألمانيا سنة 1970، أصبحت بموجبه صوماكا مكلفة بتجميع سيارات “أوبل”. وتؤكد وثائق أخرى حول تاريخ المصنع أن “أوبل” دخلت إلى برنامج التجميع المحلي في تلك السنة.
وهنا تتغير الحكاية تماماً.



السيارة التي كانت قبل عقود تأتي من الخارج…، بدأت تظهر داخل صوماكا بالدار البيضاء، والمغرب الذي كان يسجل “أوبل” في دفاتره، بدأ يتعلم كيف يجمعها داخل مصنعه، ذلك هو التحول الذي يجعل قصة “أوبل” مهمة في تاريخ السيارات المغربية: من سيارة أجنبية على الطريق… إلى سيارة مرتبطة بخط تجميع مغربي.
وكان الطريق قد قطع مسافة طويلة، من “أوبل” القديمة في سجل الرباط سنة 1929… إلى “أوبل” داخل صوماكا في السبعينيات.
ومن هناك ستواصل العلامة الألمانية حضورها، وستأتي أسماء ستصبح معروفة أكثر لدى أجيال المغاربة، وصولاً في النهاية إلى كورسا التي ستستحق لاحقاً حكاية مستقلة داخل سلسلتنا.
لكن ربما أجمل ما في قصة “أوبل” هو هذه المفارقة: في البداية، كان يكفي أن تظهر سيارة ألمانية في الطريق حتى تستوقف الأنظار.
وبعد عقود… أصبح السؤال أكبر: هل يمكن أن تُصنع هذه السيارة هنا؟ وكان المغرب قد بدأ يجيب: نعم، يمكن أن يبدأ من التجميع.
وهذه الكلمة الصغيرة ــ التجميع ــ ستقودنا في «حكاية سيارة» إلى قصة الصناعة المغربية نفسها؛ قصة بدأت بخطوط إنتاج محدودة، ثم كبرت شيئاً فشيئاً حتى أصبح المغرب اليوم أحد مراكز صناعة السيارات المهمة.
أما “أوبل”… فقد جاءت من ريشلسهايم، دخلت السجل المغربي قبل نحو قرن، وعبرت الطريق من الاستيراد إلى التجميع، وتركت خلفها سؤالاً ظل يتكرر مع كل جيل: ماذا يحدث عندما تتحول السيارة من ضيف أجنبي… إلى جزء من الصناعة المحلية؟
لكن قبل أن نواصل رحلة الصناعة، هناك سيارة أخرى تنتظر دورها، سيارة حملت اسماً فرنسياً، لكن جذورها كانت إيطالية… سيارة ستصبح واحدة من أشهر السيارات الصغيرة التي عرفها المغاربة. “سيمكا”، والحكاية هذه المرة… فرنسية في جواز سفرها، إيطالية في جذورها، ومغربية في جزء من تاريخها.
السبت المقبل… نفتح الباب من جديد، كل سبت… سيارة جديدة، وكل سيارة… حكاية.
