تشهد سوق السيارات الأوروبية خلال سنة 2026 تحولا متسارعا نحو المركبات الكهربائية، مدفوعا باتساع الخيارات المتاحة أمام المستهلكين، ودخول طرازات أكثر قدرة على المنافسة من حيث السعر، إلى جانب ارتفاع تكاليف الوقود والسياسات الأوروبية الرامية إلى خفض انبعاثات قطاع النقل.
وأظهرت بيانات منظمة Transport & Environment (T&E)، في تقريرها الجديد الصادر يوم 5 أكتوبر 2026، أن مبيعات السيارات الكهربائية بالكامل التي تعمل بالبطارية (BEV) في الاتحاد الأوروبي بلغت 1.64 مليون سيارة بين يناير وغشت 2026، بزيادة قدرها 45 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وبلغت حصة هذه السيارات من السوق حوالي 22 في المائة خلال الأشهر الثمانية الأولى، بارتفاع قدره ست نقاط مئوية مقارنة بالفترة نفسها من 2025.
ويكتسي هذا التطور أهمية خاصة بالنسبة إلى سوق السيارات الأوروبية، بعدما تجاوزت السيارات الكهربائية بالكامل، للمرة الأولى، مبيعات سيارات البنزين التقليدية على امتداد ربع سنة كامل خلال الربع الثاني من 2026، عندما بلغت حصتها 22 في المائة من السوق. كما سجلت السيارات الكهربائية حصة بلغت 28 في المائة خلال شهر غشت وحده، في مؤشر على تسارع وتيرة التحول خلال السنة الجارية.
وترى المنظمة أن سنة 2026 تمثل مرحلة محورية في توسيع الاختيار المتاح أمام المستهلك الأوروبي، إذ ارتفع عدد الطرازات الكهربائية المتوفرة بنحو 50 في المائة خلال عام واحد. وسُجل إطلاق ما يقارب 40 طرازا جديدا خلال النصف الأول من السنة، بينما ينتظر طرح نحو 20 طرازا إضافيا خلال النصف الثاني، ما يرفع العدد المتوقع للطرازات الجديدة خلال السنة بأكملها إلى حوالي 60 طرازا، أي ما يقارب أربعة أضعاف المتوسط السنوي البالغ نحو 15 طرازا بين 2021 و2025.
ولا يقتصر هذا التوسع على السيارات المرتفعة الثمن، إذ يشير التقرير إلى تغير واضح في سوق السيارات الكهربائية الأقل سعرا. فمبيعات الطرازات التي يبدأ سعرها بأقل من 25 ألف يورو مرشحة للارتفاع بنحو سبع مرات خلال 2026 مقارنة بسنة 2024. كما يتوقع أن يصل عدد الطرازات الكهربائية المتاحة بأقل من 25 ألف يورو إلى 16 طرازا مع نهاية السنة، أي ضعف العدد المسجل في العام السابق، من بينها أربعة طرازات يقل سعرها عن 20 ألف يورو.
ويعكس هذا التوجه دخول السيارات الكهربائية الصغيرة والأقل تكلفة تدريجيا إلى صلب المنافسة، بعدما ظل ارتفاع أسعارها مقارنة بسيارات محركات الاحتراق أحد العوامل التي تحد من انتشارها بين شرائح واسعة من المستهلكين. وتشير منظمة T&E إلى أن السوق تتجه أيضا نحو سيارات تبدأ أسعارها في حدود 20 ألف يورو، مع ظهور نماذج جديدة في فئة السيارات الصغيرة بأسعار قد تبدأ من حوالي 15 ألف يورو.
وعلى مستوى المصنعين، تحتفظ الشركات الأوروبية بموقع مهم في سوق الطرازات الكهربائية، إذ تمثل حوالي 60 في المائة من الطرازات المتاحة، بعدما أضافت 16 طرازا جديدا خلال النصف الأول من 2026. وفي المقابل، بلغت حصة الشركات الصينية حوالي 21 في المائة من الطرازات المتوفرة، بعد إضافة 11 طرازا جديدا خلال الفترة نفسها. كما أن سبعة من أصل أفضل عشرة طرازات كهربائية مبيعا في أوروبا تعود إلى شركات صناعة سيارات أوروبية.
وتبرز ألمانيا وفرنسا بشكل خاص في دفع السوق الأوروبية إلى الأمام، إذ استحوذ البلدان معا على نحو نصف مبيعات السيارات الكهربائية بالكامل في الاتحاد الأوروبي خلال النصف الأول من السنة. وبلغت حصة السيارات الكهربائية في السوق الفرنسية 38 في المائة خلال غشت، مقابل 32 في المائة في ألمانيا. كما سجلت دول أخرى معدلات نمو قوية في حجم المبيعات، من بينها إيطاليا التي ارتفعت مبيعاتها بنسبة 69 في المائة، وسلوفينيا بنسبة 151 في المائة، وبلغاريا بنسبة 103 في المائة، وإن ظلت حصص السيارات الكهربائية في بعض هذه الأسواق ضمن خانة الآحاد.
وفي موازاة اتساع العرض، ساهم ارتفاع أسعار الوقود في تغيير حسابات مستخدمي السيارات التقليدية. ووفق التقرير، ارتفع سعر الديزل بنسبة 38 في المائة منذ بداية الحرب مع إيران، لتصبح تكلفة ملء خزان بسعة 50 لترا أعلى بنحو 30 يورو، أي حوالي 34 دولارا. كما قدرت المنظمة كلفة صدمة أسعار النفط بالنسبة إلى مستخدمي الطرق في الاتحاد الأوروبي بنحو 53 مليار يورو، منها حوالي 40 مليار يورو مرتبطة بالديزل.
وتشير المنظمة كذلك إلى أن تشغيل السيارات الكهربائية التي يتم شحنها في المنزل أصبح أقل تكلفة بنحو 50 في المائة مقارنة بسيارات البنزين والديزل، وفق حساباتها إلى غاية 14 شتنبر 2026. كما أن التحول إلى سيارة كهربائية منذ بداية أزمة أسعار النفط كان سيوفر، حسب تقديراتها، حوالي 350 يورو من تكاليف التشغيل حتى منتصف شتنبر.
وتكشف هذه المؤشرات مجتمعة أن سوق السيارات الأوروبية تدخل مرحلة جديدة، لا يرتبط فيها نمو السيارات الكهربائية بالاعتبارات البيئية والتنظيمية وحدها، بل أيضا بتغير الأسعار وتوسع العرض وتحسن الخيارات المتاحة للمستهلك. ومع استمرار دخول طرازات أصغر وأقل سعرا إلى السوق، يبدو أن المنافسة خلال المرحلة المقبلة ستتركز بصورة متزايدة على القدرة على توفير سيارة كهربائية بسعر مناسب وتكلفة تشغيل منخفضة، إلى جانب التكنولوجيا ومدى القيادة.
