كان يكفي أحياناً أن يظهر ذلك الأسد على مقدمة سيارة حتى يعرف المغاربة أن القادم ليس مجرد سيارة أخرى. اسمٌ فرنسي، وشعارٌ لا يحتاج إلى ترجمة، وسيارات ستدخل البيوت والقرى والمدن والطرق الوطنية، حتى يصبح بعضها جزءاً من الذاكرة الجماعية.
لكن قبل أن تصبح Peugeot واحدة من أكثر الأسماء ألفة في الشارع المغربي، كانت حكايتها قد بدأت قبل السيارة نفسها بوقت طويل.
في سنة 1810، بدأت عائلة “بيجو” نشاطها الصناعي في فرنسا بصناعة منتجات من الحديد والفولاذ، قبل أن تنتقل تدريجياً إلى مجالات أخرى، من الأدوات إلى الدراجات، ثم إلى عالم السيارات.

وفي سنة 1889 قدم “أرمان بيجو ” مركبة ثلاثية العجلات تعمل بالبخار في معرض باريس العالمي، لتدخل العائلة رسمياً إلى تاريخ صناعة السيارات. لكن السيارة التي ستجعل اسم “بيجو ” أكثر رسوخاً في القرن العشرين لم تكن تلك العربة البخارية.

كانت البداية الحقيقية لمرحلة جديدة بعد الحرب العالمية الثانية، مع Peugeot 203 التي ظهرت سنة 1948، قبل أن تأتي Peugeot 403 ثم Peugeot 404، لتبدأ العلامة في بناء صورة مختلفة: سيارة عملية، متينة، قادرة على قطع المسافات وتحمل الطرق الصعبة.
وهنا تبدأ الحكاية التي ستهمنا أكثر… إفريقيا.

فقد اكتشفت “بيجو” مبكراً أن السيارة التي تنجح في أوروبا ليست بالضرورة هي نفسها التي تنجح في القارة الإفريقية. هناك طرق أطول، ومسافات أقسى، ومناخ مختلف، وحاجة أكبر إلى سيارة تستطيع أن تعمل وتواصل السير. وكانت Peugeot 404 من السيارات التي أثبتت ذلك عملياً.
فمنذ بداية الستينيات، حققت”بيجو” 404 حضوراً لافتاً في الراليات الإفريقية، وفازت برالي East African Safari عدة مرات، ابتداء من 1963 ثم في سنوات لاحقة من العقد نفسه.
لم تكن تلك الانتصارات مجرد ألقاب رياضية. كانت أيضاً دعاية على الطريقة القديمة… أن ترى سيارة “تنجو ” من آلاف الكيلومترات، وتواجه الحرارة والغبار والطرق الوعرة، ثم تعود إلى خط النهاية، يعني أن صورتها في ذهن الزبون العادي تتغير.
السيارة لم تعد مجرد وسيلة نقل. أصبحت وعداً بالتحمل. وهذه الصورة ستجد صداها بقوة في المغرب. لكن المغرب لم يكن مجرد سوق لسيارات بيجو. كان بدوره يحاول أن يبني صناعة سيارات.
بعد إنشاء SOMACA سنة 1959، بدأت الدار البيضاء تعرف تجربة صناعية جديدة، وبدأت صوماكا في تركيب سيارات لعلامات مختلفة. وكانت البداية مع Simca وFiat في أوائل الستينيات، ثم دخلت علامات أخرى إلى هذه التجربة.
أما “بيجو،” فقد جاء دورها في مرحلة لاحقة. في سنة 1979 تم توقيع اتفاق بين الدولة المغربية ومجموعة “بيجو” يسمح لصوماكا بتركيب سيارات Peugeot 504 Pick-up. وهنا أصبحت الحكاية مغربية بالكامل تقريباً.

سيارة تحمل اسم “بيجو”، لكن أجزاء من رحلتها الصناعية أصبحت تمر من الدار البيضاء. عمال مغاربة في المصنع. ورشات مغربية.
وسيارات ستخرج من صوماكا لتدخل طرقاً مغربية، وتحمل معها شيئاً من التحول الصناعي الذي كان يعرفه البلد.
أما “بيجو” 504 نفسها، فكانت قد أصبحت اسماً كبيراً في عالم السيارات. ظهرت سنة 1968، وفازت بلقب سيارة العام الأوروبية 1969، قبل أن تمتد مسيرتها طويلاً في أوروبا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية. وقد اشتهرت خصوصاً بقدرتها على تحمل الظروف الصعبة، حتى أصبحت واحدة من أكثر سيارات “بيجو ” ارتباطاً بالطرق الإفريقية.
وفي المغرب، لم تبق “بيجو” 504 مجرد سيارة في الكتالوج. ظهرت في المدن. وعلى الطرق الوطنية، وفي المهن التي تحتاج إلى سيارة تتحمل العمل اليومي.
وفي ذاكرة الأسر التي كانت السيارة بالنسبة إليها شيئاً أكبر من وسيلة للانتقال، كانت السيارة التي تحمل العائلة، والتي تقطع بها المسافات الطويلة. والتي يمكن أن تجدها في المدينة صباحاً، وفي الطريق إلى القرية مساءً، ثم تعود في اليوم التالي إلى العمل وكأن شيئاً لم يحدث.
وهنا بالضبط نفهم لماذا لم تكن علاقة المغاربة ببيجو علاقة عابرة.
فالعلامة لم تدخل الذاكرة المغربية من باب واحد، دخلتها من خلال ” بيجو” 404، ثم “بيجو” 504، ومن خلال سيارات أخرى ستأتي لاحقاً، لكنها دخلتها أيضاً من باب الصناعة.
من صوماكا، من العمل، ومن الطريق، ومع مرور السنوات، ستصبح “بيجو ” جزءاً من المشهد اليومي للمغرب، وستتغير السيارات وتتغير التكنولوجيا وتتغير طرق البيع، لكن الأسد سيظل حاضراً.
واللافت أن تاريخ “بيجو” في المغرب لم يتوقف عند التجميع، سنة 1977 تأسست Sopriam بمشاركة مجموعة SNI وPeugeot وSOMACA، وبدأت نشاطها بتجميع Peugeot 504 Pick-up، قبل أن تتحول لاحقاً إلى فاعل أساسي في استيراد وتوزيع علامات المجموعة بالمغرب. وهكذا اكتملت حلقة مهمة في القصة.
من مصنع العائلة في فرنسا..، إلى شوارع المغرب… ومن السيارة المستوردة… إلى السيارة التي ارتبط اسمها بالتجميع المحلي…
ثم إلى علامة ستواصل حضورها مع تغير وجه السوق المغربية.
لكن «حكاية سيارة» لا تبحث فقط عن السيارات التي نجحت، بل تبحث عن السيارات التي تركت أثراً، و”بيجو ” فعلت ذلك، فقد تركت “بيجو” 404 صورتها، وتركت ” بيجو ” 504 حكاياتها، ثم جاءت أجيال أخرى ستجعل الرقم نفسه جزءاً من الذاكرة الشعبية المغربية.
لكن بين كل هذه الأرقام والأسماء، هناك سيارة صغيرة ستظهر لاحقاً وتفعل شيئاً مختلفاً تماماً… لن تكون سيارة كبيرة. ولا سيارة فاخرة.
لكنها ستصبح بالنسبة إلى جيل كامل من المغاربة أكثر من مجرد سيارة.
ستكون سيارة المدينة، وسيارة الشباب، وسيارة الأسرة، وسيارة السنوات التي بدأت فيها السيارة الصغيرة تفرض نفسها بقوة على الشوارع المغربية، أما اسمها… فسيكون من أشهر الأسماء التي عرفها المغرب على أربع عجلات.
وهنا تبدأ حكاية أخرى… نلتقي السبت المقبل في «حكاية سيارة»، كل سبت… سيارة جديدة، وكل سيارة… حكاية.
