الدار البيضاء ـ لو كانت السيارات تستطيع أن تختار الطريق الذي تدخل منه إلى ذاكرة الناس، فربما اختارت سيتروين الصحراء. فبعض السيارات وصلت إلى المغرب من بوابة المدينة، وبعضها من الميناء، وبعضها دخل التاريخ لأنها ربحت سباقاً.
أما سيتروين، فكانت قصتها منذ البداية أكثر جرأة: سيارة تحمل شعاراً سيصبح مألوفاً في الشوارع، وصانعاً كان يؤمن بأن أفضل طريقة لإقناع الناس بسيارته هي أن يضعها في مواجهة المستحيل. لكن قبل الصحراء، وقبل المغرب، كان هناك رجل اسمه أندري سيتروين.
في سنة 1919 أطلق أول سيارة تحمل اسمه، “تايA ” وكان قد بنى قبل ذلك خبرته الصناعية حول تروس معدنية على شكل شيفرون، حصل على ترخيص صناعتها بعد رحلة إلى بولندا سنة 1900. ومن تلك التروس جاء الشعار الذي سيصبح لاحقاً واحداً من أشهر الرموز في عالم السيارات: الشيفرون المزدوج. لكن سيتروين لم يكن يريد سيارة تسير فقط، كان يريد سيارة تتحدث عن نفسها.
وفي سنة 1922، دفع بسيارته النصف مجنزرة B2 10HP إلى الصحراء الكبرى. لم تكن الفكرة رحلة استعراضية فحسب، كان المطلوب إثبات أن نظام “كِغْرِيس” ذي الجنزير المطاطي يستطيع منح السيارة قدرة على التحرك فوق الرمال حيث تتعثر العجلات التقليدية. وبعد التجربة، جاءت “الرحلة السوداء” عبر إفريقيا بين 1924 و1925، لتحول المغامرة إلى اختبار تقني ودعاية عالمية للعلامة في الوقت نفسه، وهنا تقترب الحكاية من المغرب.
ففي الوقت الذي كانت فيه سيتروين تبني صورتها العالمية بهذه المغامرات، كانت علامتها تجد لنفسها موطئ قدم تجارياً في الدار البيضاء.
وتفيد دراسة عن تجارة السيارات في المغرب بأن شركة France-Auto ، كانت تمثل سيتروين منذ 1927، كما توثق سجلات الشركة وجودها في الدار البيضاء، فيما تسجل الببليوغرافيا الوطنية للمملكة المغربية مقالاً مصوراً سنة 1930 بعنوان: “مرآب شركة France-Auto Citroën بالدار البيضاء”.



توقفوا عند هذا التاريخ 1927، لم تعد سيتروين مجرد اسم يأتي من فرنسا. أصبح لها مرآب في الدار البيضاء، وعنوان، ونشاط تجاري، وسيارات تعرض وتباع وتُصلح على أرض المغرب.
ومن هنا تبدأ الحكاية المغربية الحقيقية، فالسيارة التي كانت تعبر الصحراء لإثبات قدرتها، أصبحت تحتاج هي نفسها إلى عبور طريق آخر: طريق السوق المغربية.
والوثائق تكشف أن وجودها لم يكن محدوداً بالدار البيضاء، ففي يناير 1932، كانت سجلات مدينة مراكش تضم 17 سيارة سيتروين، إضافة إلى أربع عربات نفعية من العلامة ضمن الإحصاء نفسه.
قد يبدو الرقم صغيراً اليوم، لكنه في ذلك الزمن كان يعني شيئاً مهماً: سيتروين لم تعد سيارة عابرة، بل أصبحت جزءاً من المشهد المتحرك في المغرب، لكن الحكاية ستأخذ منعطفاً أكثر إنسانية.
في سنة 1933، ارتبط اسم France-Auto بحادثة مؤلمة في مسالك الجنوب المغربي. فقد كان ماريوس-لويس بوش، ممثل مرآب الشركة بالدار البيضاء، في مهمة على إحدى المسالك حين تعرض لكمين، وأقيمت لاحقاً في المكان شواهد تحمل اسمه واسم مؤسسات سيتروين.
وتكشف هذه القصة جانباً آخر من تاريخ السيارات في المغرب: فخدمة السيارة والوصول بها إلى المناطق البعيدة لم تكن دائماً حياة مكاتب وواجهات لامعة، بل كانت تتطلب أيضاً عبور مسالك صعبة وخطيرة.
وهكذا، إذا كانت دايملر قد دخلت الحكاية المغربية بوصفها سيارة مبكرة ارتبطت باسم سلطان مولاي الحسن الأول، وكانت بانهارد قد دخلتها من باب السباق، فإن سيتروين دخلتها من باب مختلف: باب المغامرة.
سيارة تريد أن تثبت أن الرمل ليس نهاية الطريق، وعلامة تريد أن تقول إن السيارة يمكن أن تكون أكثر من وسيلة نقل: يمكن أن تكون تكنولوجيا، ومغامرة، وشبكة تجارية، وقصة كاملة.
والشيفرون الذي ظهر على سياراتها منذ البداية سيبدأ، شيئاً فشيئاً، في الظهور على طرق مغربية مختلفة، في الدار البيضاء، في مراكش، وفي المسالك التي تقود إلى الجنوب.
ومن هنا ستتسع الحكاية، لأن السوق المغربية بدأت تستقبل أسماء جديدة، وكل اسم سيدخلها بطريقة مختلفة، لكن قبل أن نغادر سيتروين، يبقى سؤال يستحق أن نحمله معنا: إذا كانت السيارة الفرنسية قد استطاعت أن تصل إلى الصحراء بالجنزير، وأن تبني لنفسها مرآباً في الدار البيضاء، فماذا سيحدث عندما تدخل إلى المغرب سيارة إيطالية تحمل اسماً سيصبح لاحقاً جزءاً من صناعة السيارات المغربية نفسها؟
السبت المقبل… نصل إلى “فيات” وهناك تبدأ حكاية أخرى، لأن بعض السيارات لا تأتي فقط لتُباع… بل تأتي لتبقى.
