قبل أن تصبح “رونو” اسماً مألوفاً في كل شارع مغربي، وقبل أن تحمل سياراتها عائلات مغربية في السفر والعمل والحياة اليومية، كان للاسم حكاية بدأت هنا قبل عقود طويلة.
الدار البيضاء، الميناء. ورشات السيارات، وسيارات فرنسية بدأت تصل إلى المغرب في زمن كانت فيه السيارة نفسها ما تزال شيئاً جديداً على جزء كبير من المجتمع.
كانت سنة 1928 محطة مبكرة في حضور Renault بالمغرب، مع إنشاء وكالة مغربية للسيارات حملت اسم Agence Marocaine des Automobiles Renault، قبل أن تتطور لاحقاً إلى SOMAR ثم Renault Maroc. وتذكر وثائق تاريخية للشركة أن حضورها التجاري بالمغرب يعود إلى تلك السنة.

لكن “رونو” لم تكن تريد أن تظل مجرد سيارة تصل إلى المغرب من الخارج، فبعد استقلال البلاد، كان المغرب يبحث عن شيء أكبر: صناعة.
وكانت SOMACA، التي تأسست سنة 1959، واحدة من اللبنات الأولى لهذا الطموح الصناعي. وفي سنة 1966 وقعت Renault اتفاقاً مع الدولة المغربية لتجميع سياراتها في صوماكا.
وفجأة، تغير معنى السيارة، لم تعد فقط سيارة تصل إلى ميناء الدار البيضاء، أصبحت سيارة يمكن أن يبدأ جزء من رحلتها الصناعية هنا، في المغرب.

ومن بين السيارات التي خرجت من خطوط التجميع في تلك المرحلة كانت Renault 4 وRenault 16. وتؤكد وزارة الاقتصاد والمالية المغربية أن اتفاق التجميع مع Renault تم سنة 1966، وأن أولى R4 وR16 خرجت من خطوط المصنع. لكن رونو لم تكن تعرف بعد أن إحدى سياراتها الصغيرة ستصبح، بعد سنوات قليلة، واحدة من أكثر السيارات التصاقاً بالذاكرة المغربية. كانت تلك السيارة تحمل اسماً بسيطاً.
رقماً واحداً، وحكاية طويلة.، قبل أن نتحدث عنها، علينا أن نتوقف عند شيء أكبر،صوماكا نفسها. فالمصنع الذي كان في بدايته مشروعاً لتجميع سيارات موجهة للسوق المغربية، سيصبح مع مرور الزمن جزءاً من تاريخ الصناعة الوطنية. وستتغير العلامات، وتتغير الطرازات، وتتغير التكنولوجيا، لكن المكان سيبقى.
وفي سنة 1971 أنشأت 4 Renault خط تجميع خاصاً بها داخل موقع صوماكا، لتدخل العلاقة بين الشركة والمغرب مرحلة صناعية جديدة. ثم جاءت سنوات السبعينيات.
السيارة الفرنسية الصغيرة أصبحت أكثر حضوراً، والطرق المغربية بدأت تعرف جيلاً جديداً من السيارات، وفي قلب هذا المشهد كانت Renault 4، سيارة لم تأتِ إلى المغرب لتكون نجمة فاخرة.
لم تكن تبحث عن الأضواء، كانت تبحث عن شيء آخر: أن تعمل، أن تتحمل، أن تصل، أن تعود في اليوم التالي. وهذا تحديداً ما جعلها قريبة من المغاربة.
ففي المدن، كانت سيارة يومية، وفي القرى، كانت رفيقة طريق، وعلى الطرق الطويلة، كانت جزءاً من المشهد. ومع مرور السنوات، أصبح اسم «4L» أكثر من مجرد تسمية لسيارة، أصبح كلمة يعرفها الجميع.

وكانت المفارقة أن سيارة صغيرة بهذه البساطة ستعيش في المغرب أطول بكثير مما كان يمكن أن يتوقعه أحد. فبحسب المصادر التاريخية، استمر وجود Renault 4 على خطوط الإنتاج المغربية حتى يناير 1995.
قرابة ثلاثة عقود من الحضور الصناعي، ثلاثة عقود من الطرق، ثلاثة عقود من الذكريات. لكن ما سر هذه السيارة؟ لماذا استطاعت أن تعيش كل هذه السنوات؟ ولماذا، حتى بعد أن غابت عن خطوط الإنتاج، بقي اسمها حاضراً في ذاكرة المغاربة؟
ربما لأن بعض السيارات لا تنجح فقط لأنها جيدة، تنجح لأنها تأتي في الوقت المناسب، وتشبه الناس الذين يقودونها، وتدخل حياتهم من دون استئذان.
وفي الحلقة المقبلة، سنفتح باب حكاية السيارة التي حملت الرقم 4… السيارة التي لم تكن تخاف من الطريق. نلتقي السبت المقبل في «حكاية سيارة».
كل سبت… سيارة جديدة، وكل سيارة… حكاية.
