لم تعد المنافسة على صناعة السيارات الكهربائية محصورة في الصين وأوروبا، بعدما برز المغرب ضمن البلدان المرشحة للاستفادة من التحولات التي تعرفها التجارة العالمية.
فالتوتر التجاري بين بكين وبروكسل، وما ترتب عنه من رسوم جمركية على السيارات الكهربائية الصينية، يدفع الشركات إلى إعادة النظر في مواقع الإنتاج، ويمنح المملكة فرصة لتعزيز موقعها الصناعي، شريطة أن تتحول الاستثمارات الوافدة إلى قيمة مضافة محلية مستدامة.
هذا هو أبرز استنتاج يطرحه تحليل نشره مركز الأبحاث الدولي ODI Global يوم 23 أكتوبر 2026، بقلم الباحثتين ليندا كالابريزي وجودي كين، تحت عنوان «كيف يمكن للصين والاتحاد الأوروبي تحويل المغرب إلى مركز عالمي مفاجئ للسيارات الكهربائية».
ويستند التحليل إلى مؤهلات المغرب الصناعية والتجارية، لكنه ينبه في الوقت نفسه إلى أن الاستفادة من هذه الفرصة ليست مضمونة، بل تتوقف على طبيعة المشاريع المنجزة ومدى اندماجها في الاقتصاد الوطني.
وتتضح خلفية هذه الفرصة من موقع الصين في الصناعة العالمية للسيارات الكهربائية. فوفق المعطيات التي أوردها التحليل، تجاوز إنتاجها 12 مليون سيارة كهربائية سنة 2024، أي أكثر من 70 في المائة من الإنتاج العالمي، فيما بلغت صادراتها نحو 1.25 مليون سيارة.
وأمام تنامي حضور السيارات الصينية في الأسواق الأوروبية، فرض الاتحاد الأوروبي سنة 2024 رسوماً إضافية وصلت إلى 35 في المائة على بعض السيارات الكهربائية الصينية، فوق الرسم الجمركي الأصلي البالغ 10 في المائة. ومع ذلك، سجلت مبيعات هذه السيارات في أوروبا نمواً قوياً بين 2024 و2025، بحسب المصدر نفسه.
في هذا السياق، تتجه أنظار شركات صينية إلى المغرب باعتباره منصة محتملة لتطوير صناعة البطاريات ومكوناتها، إذ يشير التحليل إلى استثمارات معلنة تتجاوز ستة مليارات دولار في مشاريع مرتبطة بهذه الصناعة.
وتستند جاذبية المملكة إلى موقعها الجغرافي، وميناء طنجة المتوسط، والمناطق الصناعية المتخصصة، فضلاً عن اتفاقياتها التجارية مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، التي تمنحها إمكانات مهمة للربط بين الإنتاج والأسواق الدولية.
ولا يبدأ المغرب هذه المرحلة من الصفر؛ فقد راكم خبرة في تصنيع السيارات وتجميعها عبر استثمارات شركات دولية، من بينها «رونو» و«ستيلانتيس»، المالكة لعلامات مثل بيجو وفيات وألفا روميو.
ويذكر التحليل أن إنتاج المملكة بلغ نحو 560 ألف سيارة خلال سنة 2024، وأن صادرات السيارات وقطع الغيار المرتبطة بالشركتين بلغت، وفق أرقامه، نحو 17 مليار دولار في السنة ذاتها.
غير أن هذه القاعدة الصناعية، على أهميتها، تكشف أيضاً عن التحدي المطروح. فمن أصل 560 ألف سيارة أنتجها المغرب سنة 2024، لم يتجاوز عدد السيارات الكهربائية نحو 50 ألف سيارة، بينما ظلت غالبية الإنتاج تعتمد على محركات البنزين والديزل. لذلك، فإن الانتقال إلى موقع متقدم في صناعة السيارات الكهربائية يتطلب تطوير حلقات جديدة من سلسلة الإنتاج، خصوصاً البطاريات وخلاياها ومكوناتها، إلى جانب توسيع قدرات تصنيع السيارات الكهربائية والهجينة.
ويشير التحليل إلى أن الاستثمارات المرتقبة لشركتي «رونو» و«ستيلانتيس»، إلى جانب المشاريع الصينية المرتبطة بالبطاريات، يمكن أن تساهم في تسريع هذا التحول.
كما يعزو جانباً من جاذبية المغرب إلى سياسة صناعية امتدت لنحو عقدين، شملت إنشاء مناطق صناعية وحرة وتطوير البنية التحتية وتعزيز الارتباط بالأسواق الخارجية.
لكن الرهان الحقيقي، وفق الباحثتين، لا يتعلق بحجم الأموال المعلنة وحده، بل بما ستتركه هذه المشاريع داخل الاقتصاد المغربي. فإذا اقتصر دور المملكة على تجميع محدود للمكونات أو تمرير المنتجات نحو الأسواق الأوروبية، فستظل المكاسب الصناعية محدودة.
أما إذا شملت الاستثمارات مصانع فعلية، ونقل المعرفة التقنية، وتكوين المهندسين والتقنيين، وإشراك الموردين المحليين، فإنها قد تفتح المجال أمام منظومة صناعية أكثر تكاملاً وقدرة على خلق فرص الشغل والقيمة المضافة.
وتزداد أهمية هذا الشرط في ضوء التحديات التي يثيرها التحليل، وفي مقدمتها احتمال تغير التدابير التجارية الأوروبية أو الطعن فيها قانونياً، ومخاطر احتفاظ الشركات الأجنبية بمعارفها التكنولوجية الأساسية، فضلاً عن تأثير التقلبات الجيوسياسية والمناخية في قرارات الاستثمار.
كما أن دخول السوق الأوروبية يظل مرتبطاً بقواعد المنشأ وشروط التجارة المعمول بها؛ فالوجود الصناعي في المغرب لا يعني تلقائياً الإعفاء من الرسوم، ما لم تستوف المنتجات القواعد ذات الصلة.
وعليه، فإن فرصة المغرب لا تكمن فقط في استقطاب استثمارات جديدة، بل في القدرة على تحويلها إلى صناعة متكاملة ترتبط بالبحث والتطوير والتكوين والإنتاج المحلي. فالمؤهلات اللوجستية والاتفاقيات التجارية والثروة المعدنية توفر أرضية مهمة، لكنها لا تكفي بمفردها لضمان موقع عالمي متقدم.
ويخلص تحليل ODI Global إلى أن التحولات التجارية بين الصين والاتحاد الأوروبي قد تمنح المغرب فرصة لبناء أحد النماذج البارزة للتصنيع الأخضر خلال العقد المقبل.
غير أن تحقق هذا الاحتمال سيظل رهيناً بمدى قدرة المملكة على الانتقال من استضافة الاستثمارات إلى امتلاك حصة أكبر من المعرفة والتكنولوجيا والقيمة المضافة التي تنتجها.
