لم تكن بحاجة إلى طريق مثالي، ولا إلى مدينة حديثة، ولا إلى شارع واسع. كانت تستطيع أن تبدأ رحلتها من زقاق ضيق في الدار البيضاء، أو من طريق ترابي يقود إلى قرية بعيدة، أو من موقف صغير أمام متجر، ثم تمضي بهدوء وبساطة، وبذلك الشكل الذي جعل المغاربة يمنحونها اسماً صار أشهر من اسمها الرسمي: 4L.
لكن حكاية هذه السيارة لا تبدأ سنة 1961 فقط، بل تسبقها إلى فرنسا ما بعد الحرب العالمية الثانية، حين كانت البلاد تبحث عن وسائل لاستعادة الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وكانت السيارة إحدى علامات العودة إلى الاستقرار والأمل.

في أكتوبر 1946، قدمت شركة Renault سيارتها الصغيرة 4CV، التي ارتبط تصميمها بالمهندسين فرناند بيكار وشارل إدموند سير، في مرحلة شهدت تطوير ثلاثة نماذج أولية، اثنان منها سراً خلال فترة الاحتلال. كانت سيارة صغيرة بأبعاد خارجية محدودة، لكنها وفرت رحابة لافتة قياساً إلى حجمها، وسرعان ما تحولت إلى رمز لعودة السلام والازدهار.

أطلق عليها الفرنسيون لقب «الأربع أرجل» أو «كتلة الزبدة»، بسبب شكلها ولون النسخ الأولى منها، فيما اختصر شعارها الإعلاني فلسفتها الشعبية: أربع خيول، أربعة أبواب، و444 ألف فرنك. ولم يكن نجاحها عابراً؛ فقد تصدرت مبيعات السيارات في فرنسا إلى غاية 1955، وكانت أول سيارة فرنسية تبلغ عتبة مليون وحدة منتجة.
ذلك النجاح وضع Renault أمام تحد جديد: كيف يمكن الانتقال من سيارة شعبية ناجحة إلى نموذج أكثر قدرة على مواكبة حاجيات الأسر والعمل والحياة اليومية؟ وجاء الجواب سنة 1961 مع Renault 4، السيارة التي لم تصمم لاستعراض القوة أو المظهر، بل لتكون وسيلة عملية متعددة الاستعمالات، تجمع بين متطلبات المدينة والريف، وتخدم الأسرة والمهنيين وأصحاب الأنشطة الصغيرة.
كانت الفكرة تقوم على سيارة شعبية حديثة، قادرة على منافسة السيارات الصغيرة التي حققت حضوراً واسعاً، وفي مقدمتها Citroën 2CV، مع تقديم تصور جديد للسيارة اليومية. وهكذا لم تكن رونو 4 مجرد خلفية جديدة لسيارة سابقة، بل بداية فصل مختلف في تاريخ Renault، عنوانه العملية والقدرة على التكيف مع استعمالات متعددة.

غير أن لهذه السيارة الفرنسية حكاية أخرى ستكتب فصولها على الطرق المغربية.
فبعد الاتفاق بين Renault والدولة المغربية سنة 1966، بدأت سيارات الشركة تدخل مسار التجميع المحلي داخل مصنع SOMACA، وكانت R4 من بين أوائل الطرازات التي سلكت هذا الطريق.
ومنذ ذلك الحين، لم تعد السيارة مجرد منتج قادم من الخارج، بل أصبحت جزءاً من تجربة صناعية مغربية، قبل أن يتوسع حضورها في السوق وعلى الطرقات.
وتشير الوثائق التاريخية الخاصة برونو 4 إلى تجميع آلاف الوحدات في المغرب خلال السنوات الأولى، شملت السيارات السياحية ونسخ الفورغون المخصصة للاستعمال المهني. واستمر تصنيعها محلياً إلى غاية يناير 1995، وهي مدة طويلة جعلت حضورها يتجاوز حدود موجة تجارية عابرة.
لفهم هذا الارتباط، ينبغي العودة إلى مغرب كانت فيه السيارة استثماراً مهماً بالنسبة إلى كثير من الأسر، وليست وسيلة يمكن استبدالها كل بضع سنوات.
كان المطلوب نموذجاً لا يفرض تعقيدات كثيرة على مالكه، ويؤدي مهامه اليومية، ويتحمل تنوع الاستعمالات والطرق. وهنا وجدت 4L مكانها الطبيعي.

كان من الممكن أن تراها أمام منزل متواضع، أو بجوار دكان، أو في طريق فلاحي، أو تحمل عائلة في رحلة طويلة. شكلها البسيط لم يكن سوى واجهة لفكرة عملية: السيارة ليست للفرجة، بل للعمل والحياة. لذلك ارتبطت بأصحاب المهن الصغيرة، والعائلات، والموظفين، والطلبة، وكل من كان يبحث عن وسيلة تنقل عملية.
ومع اختلاف الطرق بين المدن والقرى، وبين المسالك السهلة والصعبة، وجدت السيارة نفسها في بيئة تنسجم مع فلسفتها. لكن ما منحها مكانتها في الذاكرة المغربية لم يكن الجانب العملي وحده؛ فهناك سيارات يتذكرها الناس بسبب سرعتها، وأخرى بسبب فخامتها أو سعرها،
أما 4L فيستحضرها كثيرون من خلال ما عاشوه على متنها: رحلة، أو عمل، أو دراسة، أو سفر، أو بداية حياة أسرية، وربما أول ذكرى لطفل جلس إلى جانب والده في السيارة.

وهكذا انتقلت من مجرد معدن ومحرك إلى صورة من ذاكرة أجيال. واستمرارها في خطوط الإنتاج المغربية إلى يناير 1995، بعد عقود من بداية تجميعها، يمنح هذه العلاقة بعداً إضافياً؛ ففي سوق تتغير فيه الطرازات والأذواق بسرعة، ظلت 4L حاضرة، حتى وهي ترى سيارات أحدث تدخل المشهد.
لكن الزمن لا ينتظر أحداً. ففي بداية التسعينيات، كان سوق السيارات بالمغرب يتغير، واتسع حضور السيارات المستعملة، وبدأ الزبون يبحث عن تصاميم وتجهيزات جديدة. وكانت 4L تقترب من نهاية فصلها المغربي، بعدما أدت دوراً امتد لسنوات طويلة.
لكن قبل أن تنسحب تماماً، كانت سيارة أخرى قد بدأت تكتب فصلاً جديداً، أصغر منها، أكثر شباباً، وأكثر ارتباطاً بالمدينة، سيارة ستجعل الرقم 5 اسماً يعرفه جيل كامل، Renault 5، وهذه المرة، لن تكون الحكاية عن سيارة تتحمل الطريق فقط… بل عن سيارة ستجعل الطريق نفسه يبدو أكثر شباباً.
نلتقي السبت المقبل في «حكاية سيارة»، كل سبت… سيارة جديدة، وكل سيارة… حكاية.
