الدار البيضاء – لم يعد قطاع السيارات في المغرب مجرد قصة نجاح صناعي قائمة على التجميع والتصدير، بل أصبح أحد أبرز أعمدة الصناعة الوطنية، مع انتقال المملكة تدريجياً إلى مرحلة جديدة عنوانها توسيع الإنتاج، تعميق الاندماج المحلي والاستعداد للسيارات الكهربائية والهجينة.
وتعكس أرقام مكتب الصرف قوة هذا التحول. فقد بلغت صادرات قطاع السيارات 58.282 مليار درهم إلى نهاية أبريل 2026، مقابل 49.153 ملياراً خلال الفترة نفسها من 2025، أي بزيادة 18.6%. وكان قطاع تصنيع السيارات أبرز محرك لهذا الأداء، بعدما ارتفعت صادراته بنسبة 33.5% إلى 23.883 مليار درهم، بينما زادت صادرات الأسلاك الكهربائية بنسبة 16.1% إلى 22.091 مليار درهم.
ولا تتوقف الصورة عند التصدير. فالمغرب أصبح في 2025 أكبر منتج إفريقي لسيارات الركوب، بعدما بلغ إنتاجه 493,004 سيارات، متقدماً بفارق كبير على جنوب إفريقيا في هذا النوع من المركبات. ويستند هذا الأداء إلى قطبين صناعيين رئيسيين هما Renault وStellantis، وإلى شبكة تضم أكثر من 260 مورداً ومجهزاً في مختلف أنحاء المملكة.
وتزداد أهمية هذه المنظومة مع ارتفاع الطاقة الإنتاجية. فقد أعلنت وزارة الصناعة والتجارة أن قدرة المغرب الإنتاجية أصبحت تتجاوز مليون سيارة سنوياً بعد توسعة مصنع Stellantis بالقنيطرة، بينما تستمر مجموعة Renault في تطوير إنتاجها بطنجة والدار البيضاء.
وفي 2025 وحدها أنتجت مصانع Renault في المغرب أكثر من 394 ألف سيارة، وهو ما يجعل المملكة منصة صناعية أساسية للمجموعة على المستوى العالمي.
لكن التطور الأكثر أهمية ربما يكمن في نوع السيارات التي يستعد المغرب لإنتاجها. فمصنع طنجة التابع لـRenault سيبدأ خلال 2026 تصنيع Dacia Jogger Hybrid 155 ونسخة هجينة من Sandero Stepway، ما يمثل انتقالاً عملياً من إنتاج السيارات التقليدية إلى السيارات ذات المنظومات المكهربة.
وفي السوق المحلية، تظهر مؤشرات التحول بوضوح أكبر. فقد ضمت المنافسة على لقب «سيارة العام في المغرب 2026» سبعة نهائيين، من بينهم Kia EV3 وRenault 5 E-Tech، بينما فازت Lynk & Co 08، وهي سيارة هجينة قابلة للشحن، باللقب. كما أن أياً من النماذج الـ43 المشاركة في المسابقة لم يكن يعمل بالديزل، في مؤشر لافت على تغير اتجاه السوق نحو السيارات الهجينة والكهربائية.
وفي موازاة ذلك، تتقدم العلامات الصينية بسرعة. فقد بلغت حصتها 11.4% من مبيعات سيارات الركوب خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026، مقابل 4.5% خلال الفترة نفسها من 2025، بينما وصلت إلى نحو 12% في شهر ماي وحده. ويأتي هذا الصعود مدفوعاً بتنوع العرض والأسعار والتجهيزات، خصوصاً في السيارات الكهربائية.
أما التصنيع المغربي للسيارات الكهربائية، فلم يعد مجرد مشروع مستقبلي. فشركة NEO Motors تعرض حالياً سيارة DIAL-E الكهربائية بسعر إطلاق يبلغ 100 ألف درهم ومدى يصل إلى 150 كيلومتراً، في خطوة تعكس ظهور منتجات كهربائية مرتبطة بالمنظومة الصناعية المحلية.
وتتزامن هذه التحولات مع تطوير صناعة مكونات البطاريات. فمشروع COBCO يستهدف، على المدى المستقبلي، قدرات تصل إلى ما يعادل 70 غيغاواط ساعة سنوياً، بما يكفي لتجهيز نحو مليون سيارة كهربائية سنوياً، وهو ما يفتح للمغرب موقعاً أبعد من تصنيع السيارات نحو المشاركة في سلسلة قيمة البطاريات نفسها.
هكذا تدخل صناعة السيارات المغربية مرحلة مختلفة: صادرات قياسية، طاقة إنتاجية تتجاوز المليون سيارة، صعود السيارات الهجينة والكهربائية، وتوسع الاستثمارات في البطاريات والمكونات. والتحدي المقبل لن يكون فقط إنتاج عدد أكبر من السيارات، وإنما إنتاج قيمة تكنولوجية محلية أكبر، حتى يتحول المغرب من منصة صناعية ناجحة إلى أحد مراكز صناعة سيارات المستقبل في إفريقيا.
